الرئيسية / مواد مختارة / في ذكرى “كيماوي الغوطة”.. غياب العدالة ومسح آثار الجريمة
مئات المدنيين أغلبهم من الأطفال سقطوا جراء قصفهم بغاز السارين - رويترز

في ذكرى “كيماوي الغوطة”.. غياب العدالة ومسح آثار الجريمة

عمار الحلبي/

بينما يحتفل العالم الإسلامي اليوم الثلاثاء بعيد الأضحى المبارك، يحيي السوريون الذكرى الخامسة لمجزرة “كيماوي الغوطة” التي ارتكبها نظام الأسد في مثل هذا اليوم من عام 2013.

ويعتبر الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية بريف دمشق، واحدا من أفظع الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد بحق المدنيين السوريين خلال سنوات الثورة، حيث ذهب ضحيتها مئات المدنيين فضلا عن سقوط نحو عشرة آلاف مصاب، بحسب ما تتطابق عليه التقارير الحقوقية الدولية والمحلية.

وفي فجر يوم الأربعاء الحادي والعشرين من آب أغسطس عام 2013، ارتكبت قوات النظام المجزرة عبر إلقاء صواريخ وقنابل، تحتوي على مواد كيمياوية سامة.

وعلى الرغم من الإدانات الدولية الواسعة للمجزرة حينها، والتهديدات بمحاسبة نظام الأسد إلا أنه حتى اليوم وبعد مضي خمس سنوات على المجرزة، يظهر التراخي الدولي في محاسبة الأسد، حيث ما زال المسؤول عن هذه المجزرة مفلتا من العقاب.

وترصد “صدى الشام” في هذا الملف، شهادات خاصة عن لحظات وقوع المجزرة، كمان ترصد قيام النظام السوري بإخفاء معالم المجزرة عبر نبش قبور “ضحايا الكيماوي” ونقلهم إلى مكان مجهول.

 

شهادات تحبس الأنفاس

تمكن الناشط السوري وسيم الخطيب من قطع الحدود نحو تركيا بعد تهجيره من الغوطة الشرقية بريف دمشق، عمل وسيم خلال السنوات الماضية داخل الغوطة وخارجها على ملف الكيماوي وتوثيق الهجمات التي وقعت وتحليلها بالتعاون مع فرق إعلامية وطبية، ويعمل حاليا عضو في “مركز توثيق الإنتهاكات الكيميائية في سوريا”، حيث قدم المركز إدانات دولية في محكمة الجنايات الدولية وتحقق من 48 نقطة استهداف بأسلحة كيمياوية في سوريا.

وأدلى الخطيب بتفاصيل جديدة لـ “صدى الشام” حول تفاصيل الهجوم الكيماوي في الغوطة الشرقية، وجاء في إفادته: “بعد منتصف الليل في يوم 21 آب من عام 2013، كان الهجوم يعم المكان، والهدوء يعم المنطقة، وكنت أمام شاشتي المضيئة أتتبع الاحداث اليومية للثورة السورية ومجرياتها في باقي المحافظات كعادتي، وفجأة انتهى الهدوء وبدأت المآذن تنادي “أيها الناس اخرجوا الى الطوابق العلوية لقد ضربونا بالكيماوي”، لم أفهم فحوى ذاك الصوت، وذاك الصوت في تلك الأثناء إلا أنه لم يغب عن بالي لأنطلق مسرعا مع عدستي والمصور لأعرف ماذا يقصد، تعالت أصوات الإسعاف والصراخ في الشوارع “طلعوا عالطوابق الفوقانية” وبدأت أطرق الأبواب كالمجنون على الأبواب لأخبر الناس وأنا لا أعرف لماذا وماذا يعني كيماوي”.

هلعت الناس من الخوف وأعينهم يبدو أنها في لحظات الاستيقاظ لا تستوعب المشهد، وصلت للشارع والناس تركض من كل حدب وصوب وتصرخ “يلي عندو سيارة وبنزين يروح يأسعف من زملكا العالم بالأراضي مستشهدة والأطفال والنسوان كرمال الله ياعالم”.

تناولت دراجتي النارية والكاميرا وبسرعة الرياح توجهت إلى النقطة الطبية لأشاهد صور متحركة لا يمكن لأي إنسان إلا أن يصرخ من عمق صدره، لم أستطع أن أحمل الكاميرا أمام المشاهد القاسية، لقد كان هناك أعداد هائلة من النساء والأطفال والشيوخ والشباب غارقين في بحر من المياه، ويحاول المدنيون الناجون وفرق الإنقاذ تجريدهم من ملابسهم الملطخة بالكيميائي ويضعون فوق أفواههم التنفس الصناعي والإبر الواقية والمصل والخل والمياه الباردة في محاولة شبه يائسة لإنقاذهم من الموت.

في الدقائق الأولى للاستهداف كان عدد المصابين محدودا، وحمدنا ربنا أنه لا توجد أعداد كبيرة، ولكن بعد فترة قصيرة بدأت تتوافد سيارات تحمل مصابين بأعداد هائلة، حتى باتت الفرق الطبية غير قادرة على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة.

خلال فرز المصابين والشهداء، شعرت وكأنني في سوق كبير للخضار فهذا الرجل إلى المنزل وتلك الطفلة إلى المنفسة وتلك المرأة وذلك الطفل إلى مستودع الشهداء، ثك يصرخ أحد المسعفين “ياناس أبوس رجليكم العالم بالبيت مخنوقة وبالشوارع روحو بأي وسيلة أسعفوا العالم..”.

ذهب فريق طبي كامل من ممرضين ومسعفين إلى زملكا، ولكن لم يعودوا بل استشهدوا جميعا لأنهم دخلوا بدون وقاية ولا كمامات ولا حتى أدوية مضادة لأجسادهم ليرتموا على حافة الشوارع مع القوافل التي ركبت قافلة الموت خنقا.

المراكز الطبية لم تعد تستطيع استيعاب المصابين، أصبح المسعفون يأتون بالناس ويرمونهم في أي مكان في المدن، لأن الأهم هو إخراجهم من مكان الاستهداف وإبعادهم عن مكان الاستهداف، ساعات والاسعافات لم تهدأ وأرقام الشهداء ترتفع كل دقيقة جلهم أطفال لأنهم لايستطيعون التحمل مثل البالغين، لم أعد أحتمل الإسعاف في النقاط الطبية ركبت دراجتي إلى مكان الاستهداف بعد ساعتين من الاستهداف في الساعة الرابعة والنصف تقريبا قبل شروق الشمس لأدخل في أول الطريق وأشعر بدوار عميق لا أعلم ماهو وماذا حدث لكن لم أعد أر أمامي أو أسمع الأصوات من حولي.

كنت أسمع عبر المكبرات، يقولون “اخلعوا أبواب المنازل وأخرجوا الناس.. هناك فتوى بذلك كل من في البيوت إخوانكم من النساء لا تكترثوا لثيابهن إحملوهن وأخرجوا بهن هن أخواتكن توكلوا على الله”.

دخلنا إلى منطقة زملكا للبحث عن المصابين، لم نجد أحدا من سكان المنطقة التي وقع بها الصواريخ على قيد الحياة ليساعدنا في الدلالة على المنازل، جميعهم كانوا متوفين، بدأ البحث والصراخ يعلوا هنا وهناك “تعالو هنا عائلتين في الحمام وهنا في المطبخ وهنا تحت الدرج وهنا في الخزانة وتخرج النساء وهم يضمون أطفالهم لكن الزبد خرج من أفواههم وقد فارقت الحياة وأطفالها”.

أعظم المشاهد التي شوهت مخيلتي وكسرت كل مابداخلي وجعلت من عيناي صنما بدون روح لا تتحركان هو أم وأب وأربعة أطفال يلفون أيديهم حول بعضهم البعض من الخوف في زاوية الحمام والباب مغلق عليهم بإحكام من الداخل بعد أن كسرت الباب مع الشبان.

في منزل آخر، حملت امرأة وطفلتها قد ماتت أمامها، وهي تتنفس وشبه عارية من جسدها ورأسها،  لكنني ولأول مرة في حياتي أشعر أنني فاقد للإحساس الكامل في كل حواسي نهائيا طوال الطريق وجسدها يلتمس يداي وعقلي خارج سرب الحياة، تصرخ بين يدي يا طفلتي أين هي وعيناي تقول لها لقد فارقت الحياة يا أختي لكن لايوجد صوت بداخلي ليخرج ويخبرك، آمل أن تصل الرسالة عبر  دموعي.

وسط الطريق يتساقط علينا الماء من المسعفين، يضعون البصل والخل ضمن كمامة ورقية على الأنف على أنها للوقاية من غاز السارين قاتل الأعصاب البشرية  الذي عرفنا بعدها أنك لن تنجو منه مهما كانت الوقاية، لا استطيع وصف المشهد عندما تصل سيارة الإسعاف وتفتح الباب الخلفي وتطلق الأطفال بالارض تحت صنبور كبير من الماء وهم يخبطون بأيديهم وأرجلهم في الأرض بدون صوت وأنفاسهم تخرج من صدورهم بصعوبة كبيرة.

 

ردود الفعل الدولية

عقب المجزرة الكيماوية في الغوطة، قدمت الاستخبارات الألمانية تقريرا جاء فيه أن اتصالا جرى بين مسؤول كبير من “حزب الله” والسفارة الإيرانية في بيروت أشار خلاله مسؤول الحزب إلى مسؤولية بشار الأسد عن الهجوم وإلى أنه بدأ يفقد أعصابه ثم قدمت الاستخبارات الألمانية تقريرا يشير إلى أن السلاح الكيمياوي قد يكون استعمل بدون علم بشار الأسد أو تفويض منه.

بينما ذكر تقريرا استخباراتيا فرنسيا نشرته صحيفة “الغارديان”، جاء فيه أن “قوات النظام هي المسؤولة عن الهجوم، واستشهد التقرير الفرنسي بصور أقمار صناعية تظهر انطلاق صواريخ من مواقع قوات النظام وبسبعة وأربعين تصوير وفيديو وضعها الناشطون وتحقق أطباء فرنسيون من صحتها.

بعد عشرين يوما على حدوث الهجوم قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن لديها أدلة تشير بقوة إلي أن هجوما بغاز سام استهدف مقاتلين من المعارضة السورية نفذته قوات النظام وأنها توصلت إلى تلك النتيجة بعد تحليل روايات شهود ومعلومات عن المصدر المرجح للهجمات وبقايا للأسلحة التي استخدمت وسجلات طبية للضحايا.

في يوم 16 أيلول 2013، صدر تقرير لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة الذي أشار إلى أن غاز السارين أطلق بواسطة صواريخ أرض-أرض، وذكر التقرير أن الهجوم حدث في ساعة ضمنت إصابة أو مقتل أكبر عدد ممكن من الأشخاص لأن درجة الحرارة تنخفض بين الثانية والخامسة صباحا وهو ما يعني أن الهواء كان يتحرك لأسفل باتجاه الأرض.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة: “هذه جريمة خطيرة ويجب تقديم المسؤولين عنها للعدالة في أقرب وقت ممكن” وكان الأمين العام قد قال في وقتٍ سابق: “إن الرئيس السوري بشار الأسد ارتكب كثيرا من الجرائم ضد الإنسانية”.

 

لا محاسبة

حتى اليوم، وبعد خمس سنوات على وقوع المجزرة غابت العدالة ولم يتم محاسبة المتسببين وغابت العدالة بشكل كامل، والنظام لم يتلق أي محاسبة من الدول الكبرى أو مجلس الأمن الدولي مقابل هذه الجريمة التي ارتكبها، في حين ما زال أهالي الضحايا بانتظار العدالة.

ويقول مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” فضل عبد الغني: “إنه من البديهي في ذكرى مجزرة الكيمياوي، أن نسأل عن العدالة، في أفظع استخدام للأسلحة الكيميائية في العصر الحديث”، موضحا أن المجتمع السوري وأهالي الضحايا ينتظرون الإجابة عن هذا السؤال.

وشرح عبد الغني لـ “صدى الشام”: “من دون أي تعقيدات، فإن العدالة غابت لأن النظام هو مجرم محمي بشكل كبير من المجتمع الدول ومرضي عنه، ومرضي عن أجندات كان يقوم بها.

وأضاف عبد الغني: “إزالة هذا المجرم هي مكلف للدول التي ليست راضية عنه، لذلك لن تقوم بعملية التغيير لأنها ستدفع كلفة عالية ولا سيما أن هناك دول بأنظمة إجرامية تحمي نظام الأسد مثل إيران وروسيا والحكومة العراقية وحكومة الجزائر ودول تتبع لروسيا بأمريكا الجنوبية”.

وأشار إلى أن كلفة إزالة هذه العصابة مكلفة لذلك فإن الدول ضحت بالشعب السوري مقابل أن تزيل هذا النظام وكانت النتيجة على حساب العدالة وحساب مفهوم القانون الدولي.

وأشار إلى أن غياب العدالة بشكل صريح، يتحمل مسؤوليته النظام أولا الذي استخدم السلاح الكيماوي، والدول التي دعمته مثل روسيا والصين وإيران ثانيا، ثم الدول التي لم تقم بإزالة هذا النظام البربري.

 

محاولات إزالة الجريمة

وتزامنا مع الذكرى الخامسة للمجزرة يسعى النظام إلى طمس معالم الجريمة وإزالتها نهائيا، حيث قال ناشطون وحقوقيون سوريون إن قوات من النظام قامت، ليل الأربعاء الخميس الفائت، في مقبرة زملكا، بنبش قبور ضحايا مجزرة الكيماوي التي ارتكبها قبل خمس سنوات.

وكشف ناشطون أن النظام قام بنقل الرفات إلى مكان مجهول، خشية من إمكانية فتح ملفات التحقيق في المجزرة، التي أودت بحياة أكثر من 1400 ضحية.

وقالت شبكة “ممارسات الأسد في المناطق المهجرة”: “ضمن سياسة إخفاء كل الأدلة التي تدينه، عمد نظام بشار الأسد أواخر نيسان من العام الجاري، بعيد دخوله الغوطة الشرقية إلى محاصرة الحديقة التي دفن فيها شهداء مجزرة الكيماوي التي نفذها في دوما 7/4/2018، حيث قام بنقل بعض الجثث إلى مكان مجهول، في حين دفن الباقي في مقبرة المدينة القديمة، وذلك في سبيل إضاعة الأدلة على ارتكابه المجزرة التي أدت لتهجير ثوار المدينة نحو الشمال السوري”.

ومن شأن هذه العملية أن تعرقل أي تحقيق دولي أو حقوقي قادم في المستقبل، لإدانة النظام بهذه الجريمة وتحقيق العدالة لذوي الضحايا.

شاهد أيضاً

سجال أميركي روسي في مجلس الأمن بشأن دورهما بسوريا والأمم المتحدة تطالب بإجلاء الأطفال المحاصرين في سجن الحسكة

تبادلت روسيا والولايات المتحدة الاتهامات -خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي- بشأن أحداث مدينة الحسكة شمال …

مناورات روسية مشتركة مع نظام الأسد.. ماذا وراءها؟ وكيف تقرؤها إسرائيل؟

لا يستبعد المحللون العسكريون في إسرائيل أن يكون التحرك الروسي عند خط وقف إطلاق النار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *