عدنان علي/
بينما كان نظام الأسد يواصل خرق الهدنة التي توصلت إليها روسيا وتركيا في شمالي سوريا، سعت أنقرة إلى تقديم تطمينات للأهالي في الشمال استبعدت من خلالها إقدام النظام على شن عملية عسكرية في إدلب، معتبرة تهديدات النظام وحشوده العسكرية مجرد “تهويش إعلامي”، ودفعت في الوقت نفسه بمزيد من قواتها لتعزيز نقاط المراقبة الخاصة بها في تلك المناطق.
وذلك يأتي وسط تسريبات ومؤشرات على وجود نوع من المرونة في موقف “هيئة تحرير الشام” بشأن الضغوط التي تمارس عليها لحل نفسها أو الاندماج مع فصائل أخرى، بغية نزع الذريعة من يد النظام وروسيا المتعلقة بـ”محاربة الإرهاب”.
وفيما تعمد قوات النظام إلى شن حملات اعتقال في مناطق المصالحات خارقة تعهداتها بعدم التعرض للموقعين على تسويات إلا بعد ستة أشهر، واصل النظام محاوراته مع الميليشيات الكردية التي تسيطر على مساحات واسعة في شرق البلاد، بغية التفاهم على صيغة بشأن مستقبل تلك المناطق ما بين “الإدارة الذاتية” كما تطالب الميليشيات أو نظام “الإدارة المحلية” كما يعرض النظام.
تعزيزات تركية
وصلت تعزيزات عسكرية تركية جديدة إلى الأراضي السورية تستهدف تعزيز نقاط المراقبة وخاصة نقطة العيس في الريف الجنوبي لحلب ونقطة مورك في ريف حماة الشمالي، وذلك بالتزامن مع اجتماع بين وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، ونظيره التركي، خلوصي أكار لمناقشة الملف السوري وخاصة محافظة إدلب.
وبحسب بيان لوزارة الدفاع الروسية فقد تبادل الوزيران وجهات النظر حول آخر المستجدات في سوريا، وجرى التركيز على ضرورة إيجاد حل سريع للقضايا الإنسانية في سوريا وعودة اللاجئين إلى بلادهم. وتأتي المباحثات بين الطرفين في وقت تجري فيه التحضيرات لعقد قمة رباعية في إسطنبول خلال سبتمبر/أيلول المقبل بمشاركة تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا لبحث عدد من الملفات الإقليمية وعلى رأسها “الأزمة السورية”.
وفي سياق الدور التركي في الشمال السوري، اجتمع عدد من أعضاء المكتب التنفيذي لدائرة جسر الشغور السياسية غربي إدلب، مع ضباط أتراك من نقطة المراقبة التركية في المنطقة، حيث جرى الحديث حول الحرب النفسية التي يقوم بها النظام بشأن عمل عسكري في المحافظة.
وقالت مصادر محلية إن الضباط الأتراك أكدوا على بقائهم في المنطقة لحمايتها، وأكدوا على ضرورة عدم الالتفات لما يروجه له نظام الأسد بشأن عمل عسكري وشيك، وأبدوا اهتمامهم بالجانب الخدمي والمدني في المنطقة.
وكانت النقاط التركية في مدينة مورك شمالي حماة وفي منطقة الصرمان شرقي إدلب طلبتا الاجتماع مع وجهاء المنطقة، وكذلك في منطقة جرجناز، وذلك إثر اجتماعات أخرى جرت في الأيام الأخيرة بين الأهالي والنقاط التركية في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي.
وخلال هذه الاجتماعات أبلغ الضباط الاتراك وجهاء تلك المناطق بأن الخروقات التي تقوم بها قوات النظام في مثلث جسر الشغور – سهل الغاب – جبال اللاذقية، سيجري وضعها على الطاولة في الوقت المناسب، وأنه لطالما القوات التركية موجودة في المنطقة، فلا يجب التخوف من عملية عسكرية للنظام، والتي ستتخذ الإجراءات للحيلولة دون وقوعها، وأن تركيا لن تسمح بدخول قوات النظام إلى المنطقة، وأعطت وعودا بتقديم خدمات لأهالي تلك المناطق.
أبلغت نقاط المراقبة التركية وجهاء وأعيان في ريف إدلب وحماة بأن النظام لن يقوم بعملية عسكرية طالما النقاط التركية موجودة في المنطقة
تحرير الشام
وفي غضون ذلك، وفيما جرى تداول معلومات غير مؤكدة بشأن حدوث تقدم في المفاوضات التي تجريها تركيا مع “هيئة تحرير الشام” لكي تحل الأخيرة نفسها، بغية تجنيب المحافظة، والشمال السوري عملية عسكرية من جانب النظام وروسيا، قررت “الهيئة” حل مجالس الشورى التابعة لها في ريف حماة الشمالي، وفوضت المجالس المحلية المدنية بإدارة المناطق.
وأصدرت “الهيئة” بيانا داخليا يحمل تاريخ 15 آب الحالي يقضي بحل جميع مجالس الشورى العاملة في ريف حماة، معتبرة أن المجالس المحلية هي السلطة الوحيدة والممثل الشرعي للناس، وطلب البيان بإلغاء جميع الأختام التابعة للشورى وتسليمها إلى المجالس المحلية، لتدير شؤون المنطقة.
واعتبرت “الهيئة” في بيانها أن الأمر الإداري جاء بسبب التعارض بين عمل مجالس الشورى وبين المجالس المحلية في بلدات المنطقة، وخول البيان القيادي في “الهيئة” أبو رضوان الخطابي، لمتابعة القرار حتى تنفيذه. وتعتبر هذه الخطوة بادرة مهمة في سياسة “الهيئة”، التي تلاقي انتقادات في بعض مناطق سيطرتها الممتدة بين ريف حماة ومحافظة إدلب، حيث يطالب المدنيون بتسليم السلطات لهيئات مدنية.
وطوال الأشهر الماضية رفضت “هيئة تحرير الشام” حل نفسها مع بقية الفصائل العسكرية في إدلب، لكن هذا الموقف كان على لسان قادة مهاجرين ومصنفين ضمن التيار المتشدد فيها، بالتزامن مع حديث عن انقسام داخلي في “الهيئة” بين تيار يريد إنهاء العزلة الدولية، وتيار يريد قتال تركيا والفصائل التي تدعمها.
وبحسب بعض المصادر، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انشقاقات من قبل مجموعات تتبع لـ “هيئة تحرير الشام”، وتعلن اندماجها مع “الجبهة الوطنية للتحرير” المشكلة حديثا، وهذه العملية من شأنها أن تضعف “الهيئة” وتجبرها على حل نفسها في نهاية الأمر.
وبالتزامن مع حل مجالس الشورى تعيش “حكومة الإنقاذ” المشكلة في أواخر 2017، انقساما بين شخصيات تتبنى فكر “هيئة تحرير الشام”، وأخرى ترفض ذلك، ولهذا السبب تقدم رئيس الحكومة “محمد الشيخ” باستقالته وفق تصريحات له، لكن دون أن يعود ويؤكد استقالته في بيان رسمي، ما دفع الهيئة التأسيسية للحكومة إلى تكليف مدير غرفة التجارة “فواز هلال” بتشكيل الحكومة الجديدة.
تتحدث مصادر عن وجود انشقاق في صفوف هيئة تحرير الشام بين رافض لحل التنظيم ومطالب بحل التنظيم والاندماج مع بقية الفصائل
مأزق تركيا وروسيا
ويرى مراقبون، أن كل من روسيا وتركيا في مأزق بالنسبة للوضع في إدلب، حيث تسعى الأولى إلى تجنب معركة إدلب، والخلاص من “جبهة النصرة” من دون إفساد العلاقات مع أنقرة مع إرضاء النظام، وفي هذا الإطار تحاول روسيا نقل الضغط الى ملعب تركيا ودفعها الى افتعال معركة مع “الفصائل المتشددة” بالأصالة أو عبر الفصائل التي تدعمها وهو ما تحاول تركيا تجنبه لأنه سيثير عليها المزاج المحلي، وستبدو كأنها تخدم أجندة النظام وروسيا، وسوف يتسبب بموجات نزوح كبيرة، وهي تركز جهدها على محاولة إيجاد حل “سلمي” مع “هيئة تحرير الشام” يجنب المحافظة الحرب، وينزع ذريعتها من يد روسيا والنظام.
وبحسب مصادر متقاطعة، فإنه من المفترض أن تنتشر قوات مراقبة روسية تركية على طول طريق حلب دمشق الدولي في الجزء الواقع تحت سيطرة المعارضة، والذي تسعى روسيا بكل السبل المتاحة للسيطرة عليه باعتباره يمثل الشريان الاقتصادي للمنطقة الشمالية من جهة، وتواصل تلك المنطقة من العاصمة دمشق والجنوب السوري من جهة أخرى، في ظل تسريبات عن مهلة روسية قدمت لتركيا للبحث في كيفية حل المجموعات المتشددة في محافظة ادلب وتفكيكها.
حملات اعتقال
ومن جانب آخر تشن قوات النظام حملة اعتقالات في العديد من المناطق التي أجرت “تسوية” مع النظام شملت محافظة حمص في الوسط وغوطة دمشق الشرقية ودرعا في جنوب البلاد.
وقال ناشطون إن قوات النظام اعتقلت أحد الناشطين السابقين في الثورة السورية من داخل منزله في مدينة تلبيسة بريف حمص وذلك بعد اعتقال أربعة أشخاص من تلبيسة أيضا أحدهم شقيق القيادي المتوفى رافد طه وثلاثة آخرين ضمن فصيل معارض سابق. كما تم اعتقال عدد من الأشخاص في بلدة الغنطو في إطار حملة بدأتها قوّات النظام في الثامن من الشهر الجاري بحجة ادعاءات شخصية من قبل سكان قرية جبورين الموالية للنظام المجاورة للبلدة شملت عشرات الأسماء.
ويقول ناشطون إن العديد ممن عادوا إلى مناطقهم في حمص بغية إجراء تسوية من النظام تم اعتقالهم، وأطلق سراح بعضهم بعد دفع مبالغ مالية كبيرة. كما اعتقلت قوات النظام عددا من الأهالي شمال حمص منتصف الشهر الجاري بتهمة التواصل مع أقربائهم في الشمال السوري، وهي تطلب مبالغ مالية لقاء الإفراج عن المتهمين تصل إلى ألفي دولار، فيما أبلغ حاجز المختارية الواقع على الطريق الدولي حمص – حماة عددا من أهالي تلبيسة بضرورة مراجعة الأفرع الأمنية بتهمة التواصل مع “إرهابيين” في الشمال السوري.
وفي الإطار ذاته، ذكر ناشطون أن فرع المخابرات الجوية في حمص، اعتقل 23 منشقا بينهم ضباط ومتقاعدين غالبيتهم من مدينة تلبيسة، عن طريق فصيل “جيش التوحيد” وحولهم إلى الفرع 293 في دمشق، ولا يزال مصير المنشقين مجهولا.
وفي الغوطة الشرقية بريف دمشق، شنت قوات النظام عمليات مداهمة داخل بلدة كفربطنا التي كان يسيطر عليها “فيلق الرحمن” سابقا قبيل التهجير منها، وأسفرت عن اعتقال عشرات الأشخاص الذين قالت قوات النظام أنهم مطلوبين لديها، بينهم ستة كانوا يعملون لدى المجلس المحلي الثوري في بلدة كفربطنا، بدعوى التحقيق حول مصادر دعم المجلس المحلي القديم ومشاريعه.
كما شنت قوات النظام حملة اعتقالات مماثلة للمكاتب التي تعمل بصرافة وتحويل العملة، وطلبت منها تزويدها بجميع البيانات التي تتعلق بالمرسلين والمستلمين للحوالات المالية قبل أن تفرج عنهم. وقد أحالت قوات النظام عشرات الشبان لفرع المخابرات الجوية في حرستا وفرع أمن الدولة في حي الخطيب في دمشق، قبيل سوقهم إلى الخدمة الإلزامية، حيث خضع معظمهم لتحقيقات قبيل سوقهم إلى الخدمة.
وفي جنوب البلاد، شنت قوات النظام حملة دهم واعتقالات في بلدتي المليحة الغربية ومحجة شمال مدينة درعا. وقالت مصادر محلية إن المخابرات الجوية اعتقلت شخصين في بلدة محجة بتهمة الانتماء لتنظيم “داعش” بينما لا تزال تبحث عن قائمة تضم 17 اسما، وأشارت مصادر إلى أن قوات أمن النظام داهمت عددا من المنازل في بلدة المليحة الغربية واعتقلت ثلاثة أشخاص للأسباب ذاتها فيما تعرضت بعض المنازل للنهب خلال التفتيش. وكانت قوات النظام اعتقلت عشرين شابا من مدينة داعل في درعا بتهمة انتمائهم الى تنظيم “داعش” أيضا.
قامت قوات النظام بإطلاق سراح البعض ممن اعتقلوا في ريف حمص مقابل الحصول على مبالغ مالية باهظة
حوار مع قسد
إلى ذلك تواصلت عملة “الحوار” بين النظام والممثلين السياسيين لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في العاصمة دمشق دون حدوث تقدم كبير، وفيما نفت رئيسة “مجلس سوريا الديمقراطي” إلهام أحمد التقائها مع رئيس النظام بشار الأسد، خلال جولة الحوار الأخيرة، قالت مصادر متطابقة إن الحوار تركز على ملف الإدارة المحلية.
وخلال المفاوضات بين ميليشيا “قسد” ونظام الأسد، اقترحت “قسد” تشكيل “حكومة مصغرة”، بعد أن تراجع نظام الأسد عن موقفه فيما يتعلق بمسألة منح ميليشيا “الوحدات الكردية” “الحكم الذاتي” لمناطق تستولي عليها تلك الميليشيا.
وذكرت مواقع كردية أن نظام الأسد أصر خلال لقاء وفد “قسد” الأخير في دمشق على انضمام الإدارة الذاتية إلى الإدارة المحلية، في حين رفض الوفد ذلك، وطالب أن تكون الإدارة بالشراكة بين الطرفي، وتسيطر “قسد” على مساحات واسعة من شمالي وشمالي شرقي سورية الغني بالنفط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث