صدى الشام - فيصل عكلة/
تجلس “رجاء” في ظل حائط أمام إحدى مراكز الجمعيات الخيرية وتحمل في حضنها ابنتها الصغيرة وقد بدا الهزال على الطفلة، تمسح حبات العرق عن جبين ابنتها وحول الأم يجلس ثلاثة أبناء صغار، فور وقوفي جانبها بدأت الحديث : “لمى عمرها أربعة شهور ولا أقدر أن أشبعها ومن أين لي الحليب وأنا بالأصل لا أجد ما آكله..!”
وتضيف “عندي هؤلاء الأطفال الثلاثة مع لمى وهذه حالتهم وزوجي مريض لا يستطيع العمل ونعيش على حسنات الجيران حتى المنظمات لم تعد تعطينا كما كانت والكبار يتحملون الجوع أو يأكلون أي شيئ ولكن هذه البنت تحتاج الحليب والآن قال لي أحد أعضاء الجمعية إنهم من شهور لم تصل إليهم إي علبة حليب.”
وتوسعت ظاهرة الإصابة بمرض سوء التغذية في الآونة الأخيرة بمنطقة إدلب مترافقة مع وصول دفعات المهجرين من المناطق الأخرى التي هجرها نظام الأسد بالقتل والتدمير، وفقدت العديد من المناطق الحليب المناسب للأطفال وهذا فاقم من معاناة الأطفال الذين يجب منحهم نوعا مخصّصا من الحليب.
الحليب مفقود
في داخل الجمعية الخيرية الواقعة بريف إدلب الجنوبي ونتحفظ عن ذكر مكانها لدواع أمينة سألنا “الحاج أبو مازن” عن توفر حليب الأطفال وهو مسؤول القسم الطبي في الجمعية وأجاب : “في السنوات الماضية كنا كل فترة نحصل على كمية من حليب الأطفال وتكون غالبا قد اقتربت من نهاية صلاحيتها ومع ذلك نعمد إلى توزيعها مباشرة، وبعدها حصل خلاف مع إحدى المنظمات الموردة للحليب وتوقف دعم الحليب وأصبح ما يصلنا هو السيريلاك المغذي للأطفال فوق ستة شهور وبعدها انقطعت كل أنواع الحليب رغم تواصلنا مع عدد من المنظمات.”
“أبو مصطفى” نازح من الغوطة ويسكن في بيت مستأجر بريف إدلب الجنوبي ومعه طفل صغير يحمله إلى جانب زوجته ويقفان على باب العيادات الخارجية في إحدى المشافي بانتظار الدخول وعندما سألناه عن من المريض منكم قال :
“هذا الولد، عمره ستة شهور و أمه لا تشبعه ولا نجد حليب علب في الجمعيات والحليب المتوفر في الصيدليات الخاصة غال ولا نستطيع شراءه و قد حاولنا الحصول على حليب البقر من عند جيراننا ونضيف له بعض الماء لتمديده ولكن دائما يصاب الطفل بأمراض الأمعاء والإسهال مع عدم وجود البراد و ارتفاع الحرارة و كل يوم نضطر إلى مراجعة طبيب الأطفال في المشفى كما ترى.”
نقص الغذاء
الطبيب “خالد” أخصائي أطفال ويعمل في نفس المشفى يقول لـ”صدى الشام”: إن سوء التغذية عند الاطفال هذه الايام واضح جدا عند أغلب المراجعين للقسم حيث أن معظم الأمهات لم تعد أجسادهن تعطي الكمية المطلوبة من الحليب الطبيعي الضروري لتغذية الطفل وذلك نظرا لما تعانيه العوائل من الفقر ونقص الغذاء الأساسي الذي تتناوله الأم وهو المكون للحليب بطبيعة الحال.
وأوضح الطبيب أن العامل النفسي الناتج عن القلق الدائم والخوف المستمر الذي تعيشه المرأة في محافظة إدلب له دور كبير في انقطاع حليب الأم، مشيرا إلى أن تلك الحالات ازدادت مؤخرا عقب الحديث عن مهاجمة النظام وروسيا لمحافظة إدلب.
وأضاف أن جهل الأم بأسلوب الإرضاع الطبيعي هو أحد الأسباب أيضا حيث تعتقد أن بكاء الطفل ناتج عن الجوع دائما والحقيقة أنه قد يكون بكاءا عادي أو ناتج عن مرض فتسرع إلى تقديم “ببرونة الحليب” له و التي تكون الرضاعة منها أسهل من ثدي الأم وبالتالي يستسهل الطفل الرضاعة من “الببرونة” الأمر الذي يسبب نقص الحليب التدريجي في صدر الأم حتى ينقطع.
بدوره يقول المواطن “علي” بحسب رأيه إن من يتحمل ذلك بالدرجة الأولى هم نظام الأسد والعدوان الروسي اللذان يعتمدان القصف إضافة إلى حصار المناطق و الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانقطاع حليب الاطفال.
قطع الدعم
وفي طريقنا إلى المجلس المحلي كي نسأل عن علاج الظاهرة مررنا بإحدى روضات التعليم وسألنا المعلمات عن نسبة الأطفال في سن الروضة الذين تظهر عليهم آثار سوء التغذية المدرسة “سها” أن تعابير نقص الغذاء تظهر على الكثير من الأطفال في الروضة وخاصة اصفرار البشرة، وأشارت إلى أن الروضة تقوم بقدر المستطاع بتقديم الغذاء للأطفال.
وأشارت إلى أنهم لا يقدمون وجبات الطعام دائما لأن الروضة هي روضة خيرية تقدم المساعدة للأطفال بالمجان وفي حال انقطاع الدعم لا يمكن تقديم الطعام للأطفال الذي يأتون إلى الروضة.
أما مكتب المرأة والطفل في مجلس حاس المحلي بريف إدلب وعندما عرفت مسؤولة المكتب ما جئنا من أجله عزت الوضع برمته إلى الوضع السياسي المتأزم و تلكؤ المنظمات المعنية في تقديم الدعم مؤخرا وخاصة الدعم المتعلق بغذاء الأطفال.
وقال مواطنون لنا إن هناك منظمة تعمل حاليا على متابعة الأطفال في المخيمات بالمنطقة بهدف قياس مستويات الصحة والغذاء عندهم، كما تعمل على ذلك في مقر المنظمة، وقمنا بزيارة المنظمة للاطلاع على الموضوع.
وقال المشرف على العمل ويدعى الاستاذ “محسن” في حديثه مع صدى الشام: “لدينا طاقم عمل من عدد من المختصات في مجال التغذية و عملنا في المخيمات لمتابعة الوضع الصحي للأطفال ومراقبة حالات سوء التغذية و فعلا هناك تزايد في هذه الحالات وخاصة عقب موجات النزوح من ريف إدلب الشرقي و حماه الشمالي والذين يعتمدون على الأغنام و الرعي في حياتهم.” وأضاف: “نقدم للطفل بعض المتممات الغذائية و كذلك للنساء الحوامل.”
ويذكر أن المناطق التي كان نظام الأسد يحاصرها وخاصة في الغوطة الشرقية وجنوب دمشق شهدت العديد من حالات الوفاة بين الأطفال بسبب سوء التغذية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث