صدى الشام - جلال بكور/
منذ منتصف عام ٢٠١٣ سيطر “حزب الله” اللبناني بشكل تام على منطقة القصير في ريف حمص الجنوبي والتي تضم عدة مدن وبلدات كبيرة أهمها القصير والبويضة الغربية وآبل، ليتمكن عبر تلك السيطرة من اتخاذ قواعد عسكرية في المنطقة فضلا عن التحكم بمنطقة زراعية خصبة واسعة بعد تهجير أكثر من ربع مليون نسمة وقتل المئات.
استغل “حزب الله” انتشار القرى الموالية له في الحدود السورية اللبنانية ليقوم بالاقتحام من الجهة الغربية للقصير في وقت نقل فيه قواته إلى مدينة قطينة ليقوم بالاقتحام من الجهة المقابلة على ضفة بحيرة قطينة، وتفردت قواته في العمليات البرية واكتفت قوات النظام بالدعم الجوي وفق ما أكدته مصادر من المعارضة شهدت تلك العملية.
وأشارت المصادر لـ”صدى الشام” إلى أن سيطرة “حزب الله” على القصير مكنته من قطع الطريق أمام المعارضة للعودة إلى أحياء حمص الجديدة على رأسها “بابا عمرو، الانشاءات، جوبر”، ومكنته من قطع طريق الإمداد نحو مدينة حمص القديمة، وحرمت المعارضة من أرض خصبة يصعب حصار الناس فيها.
وعمل “حزب الله” على منع المدنيين من العودة إلى تلك المنطقة بشكل كامل، وقام بالتعاون مع نظام الأسد بتجنيس وتوطين الموالين له في المنطقة، إضافة للمقاتلين الأجانب وتوطينهم في تلك المنطقة، وهو ما أحدث تغييرا في ديموغرافيّتها، وما زال “حزب الله” يصر على منع النازحين واللاجئين في لبنان من أبناء المنطقة بالعودة إليها فيما سمح لبعض المدنيين بالعودة إلى القلمون الغربي امتداد القصير في ريف دمشق.
وعقب دخول القوات الروسية إلى جانب نظام الأسد في الحرب على الشعب بدا هناك رغبة من دول إقليمية على رأسها “إسرائيل، السعودية” بالحد من النفوذ الإيراني، وهي رغبة ظهرت لدى الحليف الروسي للنظام والمنافس لإيران على النفوذ في سوريا، وبدأت مؤخرا عملية حل بعض الميليشيات والحديث عن انسحاب “حزب الله” من القصير.
اشتباك مع روسيا
وبحسب مصادر فقد بدأت القوات الروسية بنشر نقاط في منطقة القصير بالقرب من الحدود مع لبنان، بهدف الحد من نفوذ “حزب الله” حيث لقيت تلك الخطوة اعتراضا من قبل الأخير وهو ما أحدث توترا بين الطرفين وصل إلى حد الاشتباك في بعض النقاط.
وعلى الرغم من تعاون روسيا والقوات المدعومة من إيران مثل “حزب الله” ضد الشعب والمعارضة السورية، إلا أن اختلاف أجندات الطرفين في سوريا أصبح أكثر وضوحا في ظل ضغوط إسرائيل على روسيا لضمان عدم توسع نفوذ إيران العسكري وحلفائها في سوريا.
وتم تلافي الأمر في القصير بعد ذلك عن طريق سحب القوات الروسية من المنطقة وبقاء قوات “حزب الله” إلى جانب ميليشيات أخرى مرتبة به، تعمل تحت مسمى “الفرقة ١١” في “الجيش السوري”.
ونفت مصادر مقربة من النظام أنباء ترددت عن انسحاب “حزب الله” من منطقة القصير، معتبرة في تصريح لوكالة رويترز أن الحركة الروسية “ربما كانت حركة لطمأنة إسرائيل… بعد كل ما قيل من الجانب الإسرائيلي عن هذه المنطقة.
مصادر: “حزب الله” لم ينسحب من القصير والحركة الروسية الأخيرة غير المسبوقة قد تكون حركة لإرضاء إسرائيل
وجاءت الخطوة الروسية بعد أيام من تلقي قاعدة الضبعة الجوية الواقعة بالقرب من القصير ضربات صاروخية يرجح أنها إسرائيلية، وهي قاعدة يتمركز فيها “حزب الله” منذ منتصف ٢٠١٣ حين سيطر على كامل المنطقة.
من جانبه قال قائد “حزب الله” “حسن نصر الله” إن قواته ستبقى في سوريا ما دام يريد بشار الأسد بقاءه وذلك في تحد للضغوط الأمريكية والإسرائيلية لإجبار طهران وحلفائها على الانسحاب من البلاد، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
وقال”حسن نصر الله” مخاطبا تجمعا لمناصريه عبر شاشة عملاقة في إحدى القرى في جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع إسرائيل: “أريد أن أقول لكم لو اجتمع العالم كله ليفرض علينا أن نخرج من سوريا لا يستطيع أن يخرجنا من سوريا.. لو اجتمع العالم كله.. هناك حالة وحيدة فقط أن تأتي القيادة السورية وتقول لنا ياشباب الله يعطيكم العافية ممنونين شاكرين .. كفى الله المؤمنين القتال انحسمت احملوا وامشوا”.
انخرط “حزب الله” في القتال ضد الثورة السورية منذ عام ٢٠١٢، واتخذ في منطقة القصير قواعد عسكرية للتدريب والتجنيد.
وأضاف “نحن موجودين في سوريا حيث يجب أن نكون.. موجودين وحيث طلبت منا القيادة السورية أن نكون.. موجودين بحسب تطورات الميدان.”، وسخر “نصر الله” في خطابه من فكرة أن ضغوطا أمريكية أو إسرائيلية أو خليجية ستؤدي إلى شقاق بين روسيا وإيران في سوريا.
وكان وزير الخارجية الروسي قد أشار إلى ضرورة مغادرة الميليشيات غير السورية، ومع أنه حصر الأمر بمنطقة “خفض التوتر” في جنوب سوريا، وهو ما اعتبرته إسرائيل تغيرا إيجابيا في الموقف الروسي إلا أن مسؤولين أشاروا إلى ان الأخيرة لن تقبل بأقل من مغادرة إيران لكل سوريا.
مصير المهجّرين
ولعل القضية التي لايود “حزب الله” التطرق إليها دائما هي قضية المهجرين من منطقة القصير تحديدا والذين يشكلون نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان، وقد نزحوا بعد سيطرة الحزب على كامل منطقة القصير والقلمون الغربي.
ويبدو أن تلك القضية تثير وزير خارجية لبنان “جبران باسيل” الذي يحمل اللاجئين السوريين إخفاقات حكومته دائما، ودائما ما يتغاضى عن السبب الحقيقي وراء عدم عودة المهجرين وهو احتلال “حزب الله” شريكه في حكم لبنان للأراضي السورية.
وبحسب مصادر فإن “حزب الله” أجرى العديد من عمليات التفاوض مع اللاجئين في عرسال وغيرها من المناطق إلى القلمون إلا أنه اعتبر موضوع عودة مهجري القصير خطا أحمرا لا يفاوض عليه، وذلك في ظل عملية التغيير الديموغرافي للمنطقة من قبل الحزب.
يرفض “حزب الله” السماح بإعادة اللاجئين والنازحين من أبناء منطقة القصير بشكل خاص، ويرفض التفاوض حول ذلك.
ولم يسمح “حزب الله” بعودة أحد من أهالي مدينة القصير حتى أولئك المقيمين في مناطق يسيطر عليها نظام الأسد في محافظة حمص، في حين قام بتوطين موالين له على أساس طائفي في المنطقة.
ويقول “أبو سهيل” من أهالي القصير المهجرين إلى عرسال لـ”صدى الشام”، إن هناك آلاف المدنيين لم يكن لهم علاقة بفصائل المعارضة وهاجروا خوفا من جرائم الحزب التي لا تميز بين أحد” مضيفا أنه حاول عدة مرات العودة ضمن من يرغبون في العودة عن طريق “المصالحة” إلا أن “حزب الله” يرفض إعادة أي شخص أصوله من منطقة القصير.
وأكد “حسن الزهراوي” ما قاله “أبو سهيل” مشيرا إلى أن “حزب الله” عندما داهم “عرسال” تحت غطاء الجيش اللبناني استهدف بشكل خاص أبناء القصير واعتقل العشرات منهم، وهو ما يشير إلى أحقاد على أهالي تلك المنطقة بالتحديد وفق تعبيره.
وقال “جبران باسيل” في تغريدات له حول اللاجئين السوريين في بلاده: “ليس من مسؤوليتنا تأمين مصالح مجتمع دولي يعمل ضد عودة النازحين فاليوم أرسلنا بعثة تحققت من قيام مفوضية اللاجئين بتخويف النازحين الراغبين بالعودة طوعا ووثقنا المعلومات وهناك شهود”
وأضاف قائلا: “استقبلنا اكبر شعب نازح هو الشعب السوري الجار والشقيق ومحبتنا له تقول بأن وقت العودة حان فظروفها تأمنت ولا مانع من تحقيقها الا ارادة دولية… نعلن تصميمنا على كسر الارادة الدولية بمنع عودة النازحين وهذه القصة قصة وحدة وطنية فالسني في عكار موجوع اكثر من الماروني في البترون والسوري موجوع اكثر من الجميع وعلينا ان نداوي وجع بعضنا.”
واتخذ الوزير في الحكومة اللبنانية إجراءات ضد مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في لبنان، شملت تعليق استلام طلبات الإقامة المقدمة من مفوضية اللاجئين بعد توجيه الاتهامات لها بـ”تخويف اللاجئين من العودة إلى سوريا.”
وقال “باسيل” : “اجراءاتنا بحق مفوضية اللاجئين ستكون تصاعدية وصولا الى اقصى ما يمكن ان يقوم به لبنان السيد في حق منظمة تعمل ضد سياسته القائمة على منع التوطين وتحقيق عودة النازحين الى ارضهم.. مفوضية اللاجئين تواجه السياسة اللبنانية القائمة على رفض التوطين واندماج السوريين النازحين في لبنان ورغم تنبيهنا استمرت العملية.”
ووصف مستشار رئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري، لشؤون النازحين، “نديم المنلا”، قرار وزير الخارجية “جبران باسيل” بحق مفوضية اللاجئين بأنه قرار خاطئ بالشكل والمضمون. وأكد مستشار الحريري في تصريح تلفزيوني أن القرار لا يعكس سياسة الحكومة اللبنانية، بل هو موقف سياسي له وأحادي الجانب.
وشدد “المنلا”، على ضرورة “أن يقوم باسيل بإعلام الحكومة ورئيسها بهذه الأمور قبل اتخاذه أي قرار يمس سيادة الدولة اللبنانية”، مشيرًا إلى “أن وزير الخارجية اللبناني قد أخطأ بالشكل والمضمون في قراره، حيث إن هناك وزيرًا ورئيس حكومة معنيين بهذا الملف وكان يجب عليه أن يطلعَهما عليه”.
وتساءل مستشار الحريري: “كيف لوزير الخارجية أن يقوم بالتحقيق وإصدار الحكم وتنفيذه دون أن يُعلم رئيس الحكومة سعد الحريري بذلك”، مؤكدًا أن “باسيل يعلم أنه ارتكب خطأ… كان الأجدر على باسيل أن يضع اللبنانيين في خطورة القانون رقم 10 الذي أصدرته الرئاسة السورية مؤخرًا، حول أملاك الغائبين بدلًا من أن يذهب إلى قراره بشأن مفوضية اللاجئين ” داعيًا باسيل إلى التراجع عن قراره لعدم الوصول إلى نقطة صدام جديدة في لبنان مع رئيس الحكومة.
وبينما أشار وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية “سيزار أبي خليل” في تغريدة عبر “تويتر” إلى أن “بعض الزملاء يستشيط في اطلاق المواقف من قرارات الوزير جبران باسيل لتغطية عجز او تواطؤ”، متوجهاً إليهم بالقول:” بات عليكم الاعتياد على وزراء تمارس صلاحياتها انطلاقا من المصلحة الوطنية والسيادة اللبنانية دون غيرهما”، رأى وزير الدولة لشؤون النازحين “معين المرعبي” أن قرار باسيل “غير دستوري ولا يلزم أحداً”، داعياً المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات على باسيل وفق ما نقله موقع ليبانون ديبايت.
وبحسب الموقع ذاته فقد “أصدر وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الاعمال “جبران باسيل” تعليماته إلى مديرية المراسم لإيقاف طلبات الإقامات المقدمة إلى الوزارة والموجودة فيها لصالح المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان إلى حين صدور تعليمات اخرى، وذلك استنادا إلى التقرير الخطي الذي رفعته إليه البعثة المرسلة من قبله إلى منطقة عرسال، والتي تبين لها من خلال مقابلاتها مع نازحين سوريين راغبين طوعيا بالعودة الى سوريا، ومع موظفين في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، إلى أنها تعتمد إلى عدم تشجيع النازحين للعودة، لا بل إلى تخويفهم عبر طرح أسئلة محددة تثير في نفوسهم الرعب من العودة نتيجة اخافتهم من الخدمة العسكرية والوضع الأمني وحالة السكن والعيش وقطع المساعدات عنهم وعودتهم دون رعاية أممية، وغيرها من المسائل التي تدفعهم إلى عدم العودة.”
ونفى الناطق باسم المفوضية في جنيف “ويليام سبيندلر” في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية أن تكون المنظمة لا تشجع اللاجئين على العودة. وصرح “نحن لا نعيق أو نعارض العودة إن كانت خيارا شخصيا، هذا حقهم (…) لكن من وجهة نظرنا، فإن الظروف في سوريا ليست مواتية بعد للمساعدة على العودة برغم أن الوضع يتغير، ونحن نتابع عن كثب”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث