الرئيسية / منوعات / ميديا / حريات / التحالف الدولي بقيادة واشنطن شن “حرب إبادة” ضد المدنيين بالرقة
الدمار في مدينة الرقة جراء غارات التحالف الدولي - صدى الشام (1)
الدمار في مدينة الرقة جراء غارات التحالف الدولي - صدى الشام (1)

التحالف الدولي بقيادة واشنطن شن “حرب إبادة” ضد المدنيين بالرقة

صدى الشام - سليم نصراوي/

حول التحالف الدولي بقيادة واشنطن مدينة الرقة السورية إلى مدينة انقاض يعاني من أهوالها المدنيون بعد “حرب إبادة” طالت كل شيء في المدينة، وفق ما ذكرته منظمة العفو الدولية “أمنستي” في تقرير لها عن انتهاكات التحالف في الحرب التي شنها على الرقة بهدف طرد “داعش”.

وقالت المنظمة إن قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة أطلقت أعداداً مهولة من الأسلحة المتفجِّرة غير الدقيقة على مناطق مأهولة بالسكان المدنيين في الرقة، وأدت إلى سقوط أعداد هائلة من القتلى والمصابين في صفوف المدنيين، وبعد كل ذلك سمح لمقاتلي “داعش” بمغادرة المدينة.

ويتساءل المدنيون وفق التقرير عن السبب الذي يدفع قوات التحالف إلى تدمير مدينتهم، وقتل مئات المدنيين في غمار عملية “تحريرهم” من هيمنة الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم “الدولة الإسلامية”.

وفي أيلول 2014 تشكل تحالف دولي واسع بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحت راية محاربة تنظيم “داعش”، وبدأ التحالف هذا أولى هجماته في سوريا لتستمر حتى هذه الأيام مواصلة حصد أرواح المزيد من المدنيين.

التحالف اتجه تحت غطاء محاربة “داعش” إلى دعم جزء أقلوي فئوي من المجتمع السوري، لديه قوات مسلحة، وهي قوات تابعة لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”.

ولم تكترث قوات التحالف الدولي بأرواح المدنيين السوريين الذين زعمت أنها جاءت لحمايتهم من تنظيم “داعش”، وقد سجلت المنظمات الحقوقية السورية والدولية مئات الهجمات العديمة التمييز، وقتل وجرح وهجر على إثر تلك الهجمات آلاف المدنيين ليس في الرقة فقط بل في دير الزور وحلب والحسكة.

مذبحة المدنيين

في سبتمبر أيلول الماضي، وبينما كان النزاع في ذروته، كتب قائد قوات التحالف آنذاك، الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند، قائلاً إنه “… لم يحدث مطلقاً أن كانت هناك حملة جوية أكثر دقة من الحملة الحالية في تاريخ النزاع المسلح”، إلا أن رواية أهل الرقة تكذب ما قاله الجنرال.

“منيرة حشيش”، التي نجت من ضربة جوية،  قالت لـ”أمنستي”: “كان من بقوا في المدينة يموتون، ومن حاولوا الفرار يموتون، ولم يكن في طاقتنا أن ندفع أموالاً للمهربين، وهكذا لم يعد أمامنا سبيل”.

وفي نهاية المطاف، تمكنت “منيرة حشيش” وأطفالها من الهرب عبر حقل ألغام، وذلك “عن طريق المشي على أشلاء أولئك الذين انفجرت فيهم الألغام وهم يحاولون الهرب قبلنا” وفق قولها.

وتقع محافظة الرقة شمال وسط سوريا على الضفة الشمالية لنهر الفرات، وهي أول محافظة سيطر عليها فصائل في المعارضة المسلحة، ذلك في آذار/ 2013، وعندما أعلن تنظيم “داعش” عن وجوده في 9/ نيسان/ 2013 بدأ قتاله ضد فصائل في المعارضة المسلحة والاستحواذ على الأراضي التي سيطرت عليها، وفي 12/ كانون الثاني/ 2014 أكملَ تنظيم “داعش” سيطرته على محافظة الرقة بعد معارك استمرت عدة أسابيع مع فصائل في المعارضة المسلحة.

وعمد التنظيم إلى منع المدنيين من الخروج من مناطق سيطرته وقام بزرع الألغام والعبوات الناسفة على حدود مناطق سيطرته وهو ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا من المدنيين.

أما أفراد عائلة “الأسود” وهم من التجار، الذين كدّوا طوال حياتهم حتى يتمكنوا من بناء بيت للعائلة في الرقة، وقد ظل بعض أفراد العائلة في المدينة، لحماية ممتلكاتهم من النهب، واتخذوا الطابق السفلي من البيت ملجأ لهم، إلا إن قوات التحالف شنت ضربة جوية، يوم 28 يونيو/حزيران 2017، أسفرت عن تدمير البيت ومقتل ثمانية مدنيين، معظمهم أطفال.

كما قتل فرد آخر من العائلة، عندما داس على لغم، زرعه تنظيم “داعش”، بينما كان عائداً إلى المدينة، بعد أيام من الضربة، لكي يحاول انتشال جثث أقاربه.

أمنستي: قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة أطلقت أعدادا مهولة من الأسلحة المتفجرة غير الدقيقة على مناطق مأهولة بالسكان المدنيين

كذلك فقدت عائلة “حشيش” سبعة عشر من أفرادها، أغلبهم نساء وأطفال، على مدى أسبوعين في أغسطس/آب 2017، وذلك على الرغم من محاولات العائلة المتكررة للفرار من المدينة، فقد أدت غارة جوية شنتها قوات التحالف إلى مقتل تسعة من أفراد العائلة، وقتل سبعة منهم وهم يحاولون الفرار عبر طريق كان تنظيم “داعش” قد لغمه، بينما قتل اثنان آخران بقذيفة هاون أطلقتها “قوات سوريا الديمقراطية”.

ولعل حالة عائلة “بدران” هي أوضح تعبير عن مدى تردِّي الوضع بالنسبة للمدنيين الذين تقطعت بهم السبل في الرقة، فعلى مدى عدة أسابيع، قتل 39 من أفراد العائلة، في أربع ضربات جوية منفصلة شنها التحالف، بينما كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر داخل المدينة، في محاولة مستميتة للابتعاد عن خطوط القتال التي تتغير بسرعة.

وقالت “رشا بدران” لـ”أمنستي”: “كنا نظن أن القوات التي جاءت لإخراج “داعش” تعرف مهامها جيدا، وأنها سوف تستهدف “داعش” وتترك المدنيين لحالهم. ولكن هذه كانت سذاجة منا. وعندما أدركنا في النهاية أن الوضع أصبح خطيرا في كل مكان، كان الوقت قد فات، فقد صرنا محاصرين”.

وبعد عدة محاولات للهرب، تمكنت “رشا بدران” وزوجها من الخروج من المدينة، بعدما فقدا جميع أفراد عائلتهما، بما في ذلك طفلتهما الوحيدة الرضيعة، التي كان عمرها عاما واحدا وتدعى “تيوليب”، حيث دفنا جثمانها الصغير بالقرب من إحدى الأشجار.

أمنستي: حتى القنابل الدقيقة التي ألقتها قوات التحالف أدت إلى سقوط أعداد هائلة من القتلى والمصابين في صفوف المدنيين

وأخيرا تبين حالة عائلة “الفياض” أن إحدى الغارات التي شنتها قوات التحالف في الساعات الأخيرة من المعركة أدت إلى القضاء على عائلات بأكملها في منطقة حارة البدو بوسط مدينة الرقَّة، حيث عرف أن مقاتلي تنظيم “داعش” كانوا يستخدمون المدنيين كدروع بشرية فقد قتل محمد “أبو سيف” الفياض و15 من أفراد العائلة والجيران، في ضربات جوية شنها التحالف في وقت مبكر من صباح يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017.

القتل العبثي

وبدا الأمر أكثر عبثية فلم تكد تمضي ساعات قليلة على مقتل عائلة “الفياض” حتى توصلت قوات التحالف و”قوات سوريا الديمقراطية” إلى اتفاق مع تنظيم “داعش”، منحتا بمقتضاه مقاتلي التنظيم الباقين ممرا آمنا للخروج من الرقة.

وفي تقرير لها بعنوان “كلفة بشريَّة ومادية عالية جدا لتخليص الرقة من تنظيم داعش” كانت قد أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان  مقتل 2371 مدنيا بينهم 562 طفلا وتشريد قرابة نصف مليون شخص، إبان حملة تخليص الرقة من تنظيم “داعش”.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فقد شهدت سوريا منذ أيلول 2014 وحتى أيلول 2017 مقتل ما لايقل عن 2286 مدنياً، بينهم 674 طفلاً و504 سيدة على يد قوات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وفي أيار الماضي قتلت قوات التحالف الدولي في سوريا  56 مدنيا بينهم 17 امرأة و 26 طفلا بنسبة 15.82 بالمائة من مجموع القتلى في سوريا، كذلك في نيسان الماضي قتلت قوات التحالف أربعة مدنيين بينهم طفل، وفي آذار أيضا قتلت سبعة مدنيين بينهم امرأة وطفل، أما في شباط الماضي فقد قتلت 102 بينهم 179 امروة و 203 طفل، وفي كانون الثاني فقد قتلت 24 مدنيا بينهم ثمان نساء وسبعة أطفال.

أمنستي: قتل المئات من المدنيين ثم سمح التحالف الدولي و”قوات سوريا الديمقراطية” لمقاتلي تنظيم “داعش” بمغادرة مدينة الرقة

وتسائل بنجامين والسبي، الباحث المعني بالشرق الأوسط لدى منظمة العفو الدولية حول جدوى غارات التحالف قائلا: “إذا كانت قوات التحالف، ومعها “قوات سوريا الديمقراطية” الحليفة لها، تعتزم في نهاية المطاف منح مقاتلي “داعش” ممرا آمنا وحصانة من المساءلة والعقاب، فما هي المزايا العسكرية المحتملة من وراء تدمير مدينة بأكملها تقريباً وقتل هذا العدد الكبير من المدنيين؟”.

وأضاف : “إن المدنيين من أهالي الرقّة يعودون إلى ديارهم فيجدون أنها تحولت إلى حطام، وينتشلون أحباءهم من وسط الأنقاض، ويتعرضون لخطر الموت أو الإصابة من جراء الألغام والعبوات الناسفة العشوائية والذخائر التي لم تنفجر، ولا شك أن رفض التحالف الإقرار بدوره في خلق هذا الوضع الكارثي يزيد من فداحة الوضع”.

وأضاف أنه إذا كانت قوات التحالف، ومعها “قوات سوريا الديمقراطية” الحليفة لها، تعتزم في نهاية المطاف منح مقاتلي تنظيم “داعش” ممرا آمنا وحصانة من المساءلة والعقاب، فما هي المزايا العسكرية المحتملة من وراء تدمير مدينة بأكملها تقريبا وقتل هذا العدد الكبير من المدنيين؟

وبعثت منظمة العفو الدولية برسائل إلى مسؤولي الدفاع في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهي الدول التي شنت قواتها ضربات جوية على الرقة، وطلبت المنظمة معلومات إضافية عن تلك الحالات وعن هجمات أخرى، كما استفسرت المنظمة عن الأساليب الحربية للتحالف، وأساليب الهجمات ووسائلها، وكيفية اختيار الأهداف، وكذلك عن الاحتياطات التي اتخذت في تخطيط الهجمات وتنفيذها، وعن أية تحقيقات أُجريت بهذا الصدد حتى الآن.

وطالبت منظمة العفو الدولية الدول الأعضاء في التحالف بأن تبادر بإجراء تحقيقات نزيهة ووافية بخصوص الادعاءات عن الانتهاكات والإصابات في صفوف المدنيين، وأن تقر علنا بمدى وفداحة إزهاق أرواح مدنيين، وتدمير ممتلكات مدنية في الرقة.

وأكدت “أمنستي” أنه يجب على هذه الدول أن تعلن نتائج تحقيقاتها، وأن تفصح عن معلومات أساسية بخصوص ضرورة الهجمات، وذلك لتقييم مدى تماشيها مع القانون الدولي الإنساني، كما يجب عليها مراجعة الإجراءات التي تقرر من خلالها مصداقية الادعاءات بشأن الخسائر في صفوف المدنيين، وأن تكفل تحقيق العدالة، وتقديم تعويضات لضحايا الانتهاكات، وتقع على هذه الدول أيضاً مسؤولية المساعدة، بشكل أكثر جدية من الوضع الحالي، في العملية المضنية الجارية في مدينة الرقة لإزالة الألغام، وإعادة الإعمار.

التحالف يتملّص

من جانبه رد التحالف الدولي في بيان له مبينا أنه يطبق معايير صارمة في عملياته، واتخذ إجراءات مشددة لحماية المدنيين، وأضاف: “لطالما كان التحالف شفافا بشأن الهجمات الجوية، ويجري تقييما حول الاتهامات الموجهة إليه بشأن مقتل مدنيين نتيجة تلك الهجمات.

من جهة أخرى، قالت وزارة الدفاع البريطانية ردا على تقرير “أمنستي” إن إمكانية سقوط ضحايا من المدنيين نتيجة للهجمات الجوية أمر وارد، مؤكدة أن قواتها تسعى جاهدة للتقليل من عدد الضحايا المدنيين.

وأعلن البنتاغون أن الجيش الأمريكي لن يستطيع أبدا تحديد عدد المدنيين، الذين قتلوا جراء العملية العسكرية التي يقودها التحالف الدولي ضد “داعش” في سوريا والعراق.

وذكر الكولونيل توماس فيل، المتحدث الرسمي باسم عملية “العزم الصلب” التي يديرها التحالف ضد تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، أنه بغض النظر عن الجهود القصوى التي يبذلها العسكريون الأمريكيون لتفادي وقوع قتلى بين المدنيين، فإن أحدا لا يستطيع تحديد عدد الضحايا الذين قضوا في الغارات الأمريكية منذ بدء العملية في العام 2014.

وقال فيل في تصريح صحفي: “بصراحة، لن يعرف أحد أبدا عدد المدنيين الذين قضوا جراء عمليتنا العسكرية. فكل من يدعى أنه يعرف هذه المعلومات يكذب، لأنه ليست هناك أية سبل ممكنة للحصول على تلك المعلومات.”

ووصف فيل وقوع خسائر في الأرواح في صفوف المدنيين بأنها “مؤسفة ومحزنة للغاية، وجزء فظيع ومرعب من الحرب ضد تنظيم داعش”.

وأقر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في سوريا والعراق، بداية حزيران الجاري، بمقتل مدنيين إضافيين في ضربات جوية، فيما زعم إنه درس 159 بلاغا باحتمال سقوط ضحايا مدنيين اعتبرت 149 منها تفتقر إلى الصدقية.

من جهتها، أعلنت منظمة “اير وورز” غير الحكومية التي تحصي الضحايا المدنيين في كل عمليات القصف الجوي في العالم أن ما لا يقل عن ستة آلاف و259 مدنيا قتلوا بيد التحالف.

 

شاهد أيضاً

ترامب و تيك توك من عدو الى منقذ كيف ولماذا؟

” سنحظرهم داخل الولايات المتحده الامريكيه “، بهذه العبارة توعد الرئيس ترمب منصة تيك توك …

الاعتماد على الذات.. وتفجّر قدرات الإنتاج والإبداع

ميسون محمد ثمة رغبة جامحة في الاستقلالية والاعتماد على الذات في داخل كلّ إنسان، وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *