صدى الشام-عدنان علي/
بعد طي صفحة ريف حمص الشمالي، وريف حماة الجنوبي، ومن بعدهما جنوب دمشق ، تثار تساؤلات حول الهدف التالي لحلف النظام وروسيا وإيران، في إطار سعيهم لاستكمال السيطرة على مجمل مناطق المعارضة السورية، وتهجير كل معارض فيها للنظام، مدني أو عسكري، إلى الشمال السوري.
ورغم المناورات التي يلجأ إليها النظام للتمويه على طبيعة الاتفاق مع تنظيم “داعش” في جنوب دمشق، لكن من الواضح أن هذه الصفحة قد طويت بعد شهر من التدمير الممنهج من جانب قوات النظام للمنطقة بغية تحقيق أهداف لم تعد خافية على أحد تتصل بالتغيير الديمغرافي والاستيلاء على الأرض.
وتواترت أنباء عن انتهاء خروج مقاتلي “داعش” من مخيم اليرموك جنوب دمشق باتجاه البادية السورية بالرغم من نفي النظام ذلك، وزعمه أن توقف المعارك سببه هدنة إنسانية لخروج المدنيين، رغم علم الجميع أن آخر هم النظام هو سلامة المدنيين!.
وقالت مصادر إعلامية إن الجانب الروسي أرسل وفدًا إلى التنظيم بناء على رغبة الأخير بالخروج من المنطقة بعد انحسار المساحات التي يسيطر عليها في مخيم اليرموك والتضامن، والحجر الأسود، وأنه تم التوافق على وقف إطلاق نار بدءًا من ظهر (السبت) يستمر حتى الانتهاء من ترحيل عناصر التنظيم، لكن أمور عديدة تخللت ذلك تتعلق بطلب النظام تسليمه خرائط المنطقة وتفكيك جميع الألغام الموضوعة ضمن المنازل والشوارع قبل انسحاب التنظيم، فضلًا عن تسليم جميع الأسلحة الثقيلة والسيارات المصفحة.
وجاءت هذه التطورات بعد شهر كامل من اندلاع المعارك بين قوات النظام والميليشيات المساندة لها والتنظيم، قتل خلالها أكثر من تسعمائة عنصر وفقًا لوكالة “أعماق”، مقابل مقتل المئات من عناصر التنظيم، فيما جرى تدمير نحو ثمانين بالمائة من مخيم اليرموك وأجزاء واسعة من الحجر الأسود ومنطقة التضامن، بينما وثّقت جهات حقوقية مقتل أكثر من ثمانين مدنياً منذ بدء الحملة، إضافة إلى خروج كل المشافي والنقاط الطبية والمرافق الحيوية من الخدمة.
وسيطر النظام على كامل دمشق وريفها بعد الانتهاء من عملية التدمير في جنوب دمشق، ورأى مراقبون أن حرص النظام على تمرير عملية خروج عناصر “داعش” دون ضجيج إعلامي هدفه عدم لفت الأنظار إلى اتفاقه مع التنظيم، ومحاولة تجنب تعرض قافلة “داعش” للضرب من جانب طيران التحالف، وهو ما سعى التنظيم إلى أخذ ضمانات بشأنه منذ بداية عملية التفاوض، لكن النظام عجز عن تقديم هذه الضمانات.
وقد أثار تأخر قوات النظام في السيطرة على مخيم اليرموك استياء مؤيدي النظام، خاصة وأن عدد مقاتلي التنظيم لا يتعدى ثلاثمائة مقاتل، لكن مواقع موالية بررت ذلك بالطبيعة الجغرافية المعقدة والبنية العمرانية الصعبة التي تمنع توغل العربات المدرعة الثقيلة والمصفحة الأساسية في عمليات الاقتحام البري، إضافة إلى كثافة الأنفاق.
غير أن ناشطين ومنظمات حقوقية ترى أن هدف قوات النظام من إطالة المعركة مع “داعش” كان أخذ الوقت الكافي لتدمير المخيم لمنع الأهالي من العودة، وإدخال المنطقة، خاصة “شارع 30” في المخطط التنظيمي لمشروع “باسيليا سيتي” العمراني، الذي أقرته محافظة دمشق، في 26 من آذار الماضي، ويمتد من جنوب المتحلق الجنوبي إلى القدم والعسالي وشارع الثلاثين.
وقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورا تظهر حجم الدمار الكبير الذي أصاب المخيم نتيجة الغارات الجوية والقصف الصاروخي اليومي.
دمر نظام الأسد حي مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين وحي الحجر الأسود بحجة طرد ثلاثمائة عنصر من عناصر تنظيم “داعش”
ريف حمص وحماة
يأتي ذلك بعد أن أعلن النظام السيطرة الكاملة على ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، بعد خروج آخر دفعة من أهالي المنطقة المهجرين من مدنيين وعسكريين إلى محافظة إدلب بموجب اتفاق فرضته روسيا والنظام على هذه المناطق المحاصرة منذ سنوات. ويقدر أن أكثر من ثلاثين ألف شخص بين مدنيين وعسكريين، تم تهجيرهم بموجب هذا الاتفاق الذي جاء بعد ضغوط روسية وتهديدات من جانب النظام بشن عملية عسكرية واسعة في المنطقة.
ونشرت القيادة العامة لقوات النظام بيانا قالت فيه إنها أكملت السيطرة على ألف ومائتي كيلومترا مربعا من ريفي حمص الشمالي وحماه الجنوبي. وأضافت أن عدد القرى والبلدات التي عادت إلى سيطرتها بلغ خمسة وستين بلدة وقرية، مشيرةً إلى أن المنطقة الوسطى تأتي أهميتها من كونها عقدة المرور التي تمثل شرايين التواصل بين المحافظات المجاورة وبقية المحافظات السورية.
وأعلنت قوات نظام الأسد فتح الطريق الرئيسي بين حمص ودمشق بشكلٍ كامل، وذلك بعد إغلاقٍ استمر لسنوات بسبب المعارك التي كانت تندلع في المنطقة وعلى أطراف الغوطة الشرقية بين قوات النظام والمعارضة السورية، ولا سيما مدينة حرستا التي تشرف بشكلٍ مباشر على الطريق وترصده.
هجر النظام قرابة ثلاثين ألف مدني ومسلح من ريف حمص الشمالي وحماة الجنوبي برعاية من الاحتلال الروسي
الهدف التالي
ومع انتهاء عمليات التهجير تقريبا من ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي، وجنوب دمشق، تثار تساؤلات حول الهدف التالي لقوات النظام وروسيا وسط تلميحات وتسريبات عدة تشير إلى الشمال أو الجنوب السوري، فيما يبدو أنها محاولات لجس النبض قبل البت في الهدف التالي، أو ربما أكثر من هدف في آن واحد.
وفي حين صدرت تصريحات متناقضة عن مسؤولين روس تشير إلى الجنوب السوري، ومحافظة درعا على وجه التحديد، ذكرت مصادر مقربة من النظام أن الهدف التالي قد يكون ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي في الشمال والوسط السوري.
وأوضحت تلك المصادر أن القادة العسكريين في “قوات النمر” إحدى أبرز الميليشيات التابعة للنظام، أبلغوا عناصرهم بأن وجهتهم التالية بعد ريف حمص الشمالي ستكون نحو ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي، حيث تسيطر فصائل من المعارضة السورية، و”هيئة تحرير الشام”.
من جهته، لم يستبعد العقيد فاتح حسون، عضو وفد المعارضة إلى مفاوضات أستانة هذا الاحتمال قائلا في تصريحات صحفية إن “الروس لا عهد لهم ولا ذمة، ولا يلتزمون بأي تعهد أو ميثاق، ولا تتأمل منهم الكثير ولا القليل” .
غير أن عضو وفد المعارضة السورية إلى أستانة أيمن العاسمي قال في تصريح صحفي إن “اللقاء في استانة الأخير تركز على تجنيب إدلب والمنطقة الجنوبية أية معارك ومنع النظام والمليشيات الإيرانية من اجتياحها تحت حجج واهية، بغية دفع مسار جنيف حتى يكون أكثر فاعلية خلال شهور قليلة”.
وعما إذا كان الروس تعهدوا بألا يكون هناك عمليات عسكرية جديدة في المناطق الخاضعة لاتفاق “خفض التصعيد” قال العاسمي إن الروس ” ا يريدون عمليات عسكرية، لكنهم يريدون الوصول إلى اتفاق بشأن معبر نصيب الحدودي مع الأردن”.
وحول عدم احترام روسيا لمناطق خفض التصعيد التي وقعت عليها، قال العاسمي إن الوضع في مناطق الغوطة وريف حمص الشمالي وحماة الجنوبي، يختلف بعض الشيء عنه في إدلب وريف حلب الغربي وجنوب سوريا، ذلك أنه في المناطق الأولى لم يكن هناك شريك خارجي للضامن الروسي، أي أن روسيا تولت وحدها تفسير وتطبيق اتفاق خفض التصعيد، بينما في الحالة الثانية هناك شريك إقليمي (تركيا) كما هو الحال في إدلب وريف حلب الغربي أو شريك إقليمي ودولي المتمثل في الولايات المتحدة والأردن كما هو الحال في الجنوب السوري، وبالتالي فإن روسيا لا تستطيع تفسير الأمور على هواها في هذه الحالة.
ويسيطر النظام على غالبية الرّيف الجنوبي لحلب من ناحية الحاضر وتل ضمان وحاجب وبنان الحص، في حين ما زالت ناحية الزربة خارج سيطرته، وهي قريبة من الطريق الدولي.
وما تبقى من ريف حلب الجنوبي وهي تضم قرابة ستة عشر قرية تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” بشكل شبه كامل، وهي قرى مفتوحة على ريف حلب الغربي وريف إدلب الشرقي، ويعيش بها نحو مائة ألف شخص يعملون في الزراعة والرعي، في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية سيئة بشكل عام، حيث يعتبر من المناطق المغيبة عنها المساعدات الإنسانية.
وينتشر الجيش التركي حاليا على جبل العيس، وهو أعلى نقطة في المنطقة ويشرف على جميع المنطقة، أي يبعد عن مناطق تمركز النظام نحو 3 كم، حيث توجد قوات حزب الله وقوات إيرانية تتمركز في جبل عزان،. وقد شهدت المنطقة خلال الفترة الماضية قصفا مدفعيا، إلا أنه توقف الأن، وفتح النظام معبرا تجاريا.
ويرى مراقبون أن نقطة المراقبة الأخيرة للجيش التركي في قرية اشتبرق في ريف إدلب الغربي، تحظى بأهمية جغرافية كبيرة، كونها تشرف على سهل الغاب في ريف حماة، وسط سورية، وتطل على مدينة جسر الشغور في ريف إدلب، وقد تمنع قوات النظام من محاولة التقدم نحو المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية في ريف إدلب الجنوبي. وكذلك الأمر في ريف حماة الشمالي مع نشر نقاط لمراقبة اتفاق “خفض التصعيد” من جانب تركيا في مناطق سيطرة المعارضة، ومن جانب روسيا في مناطق سيطرة النظام.
ولعل من بين التطورات التي تظهر ملامحها في محافظة إدلب، هي التجهيز لفتح طريقين استراتيجيين في الشمال السوري، الأول هو طريق دمشق- حلب الدولي، والثاني طريق حلب- غازي عنتاب، والمار من سيطرة فصائل المعارضة المتركزة في الريف الشمالي، وصولًا إلى الأراضي التركية.
لم يحترم نظام الأسد وروسيا اتفاق خفض التوتر وهاجموا المناطق المنضوية في الاتفاق تحت حجج واهية.
الجنوب السوري
وبالنسبة للجنوب السوري، والذي يعيش حالة مد وجزر مع التهديدات المتكررة من جانب النظام وروسيا بعملية عسكرية في المنطقة، لا تبدو التطمينات التي تلقاها وفد المعارضة في استانة كافية لتبديد المخاوف من عملية عسكرية وشيكة في الجنوب.
وقد زاد النظام من حملاته العسكرية والنفسية على الجنوب، وألقى طيرانه الحربي مناشير على مناطق سيطرة المعارضة السورية تدعو إلى المصالحة والابتعاد عن الأعمال العسكرية.
واتبع النظام أسلوب المناشير الورقية في مختلف المناطق السورية منذ بدء العمليات العسكرية، وكانت تسبق أي تحرك عسكري من جانبه، وكان آخرها في ريف حمص الشمالي قبل التوصل لاتفاق خروج مقاتليه.
وتزامن ذلك مع حديث يدور عن نية قوات النظام والميليشيات المساندة لها بدء عمل عسكري في الجنوب السوري، حيث ما زال اتفاق “خفض التصعيد” في الجنوب، الذي تم التوصل إليه بتاريخ 9 من تموز الماضي، غير واضح الملامح بشكل كامل.
وبرزت إلى الواجهة في الأيام الماضية بلدة محجة، بعد زيارة وفد عسكري روسي لها وأعطى مهلة يومين للأهالي لتشكيل وفد مشترك مع الفصائل للتفاوض مع النظام وقاعدة حميميم.
ويرى ناشطون أن الروس يحاولون الاستفراد بالبلدة المحاطة بمواقع عسكرية تابعة للنظام، عبر التلويح بعمل عسكري قد ينجم عنه تهجير نحو ثلاثين ألف مدني يقطنون البلدة. وأكدوا أن تهديدا مماثلا تم توجيهه أيضا الى قرية النجيح في ريف درعا الشرقي.
ويرى النظام، ومعه روسيا، أن مناطق “خفض التصعيد” لا تعني تخلي النظام نهائيا عن هذه المناطق، بل هو تدبير مؤقت لتخفيف العنف والتوتر، وأن هذه المناطق لا بد أن تعود في النهاية إلى سيطرة النظام.
وفي شرق البلاد، شنت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) هجوما على آخر معاقل تنظيم داعش شرق الفرات، بعد أيام من السيطرة على قرية الباغوز الحدودية. وقالت مصادر إعلامية إن الهجوم يدور على أكثر من محور، حيث تحاول “قسد” الدخول في عمق مدينة هجين التي تعتبر أكبر المدن الخاضعة لسيطرة التنظيم وآخرها شرق الفرات. ويترافق تقدم القوات الكردية مع غارات جوية من طيران التحالف الدولي، وسط حديث عن مشاركة قوات فرنسية في المعارك على الأرض.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث