صدى الشام- عمار الحلبي/
عقب المعارك العنيفة التي شهدتها ونزوح معظم سكّانها، لم تعد محافظة درعا في جزئها المحرر كما كانت من قبل رغم عودة قسم من النازحين، فقد تحولت أحياء المدينة إلى “غابة” بنظر من استباحوا مرافقها، دون أن يكون هناك سلطة أو قانون يردع ما يجري من عمليات نهب مختلفة.
وبالإضافة إلى عمليات القتل والاغتيال والعبوات الناسفة العشوائية، برزت في المدينة ظاهرة تمثّلت بسرقة المُمتلكات العامة، فلم يبقَ شيء يمكن سرقته إلى وسُرق، ابتداءً بكابلات الهواتف الأرضية الموجودة تحت الأرض، مروراً بكابلات الكهرباء المُعلّقة على الأعمدة، ومضخّات المياه وليس انتهاءً بحجارة المدينة الأثرية التي تمت سرقتها أيضاً.
صورة مختلفة عن السابق
وكانت محافظة درعا شهدت أشرس العمليات العسكرية بعد إطلاق غرفة عمليات “البنيان المرصوص” معركة “الموت ولا المذلّة”، التي سعت فيها لطرد النظام من كامل درعا البلد، وأدّت المعركة إلى اشتباكات طاحنة أسفرت عن بقاء 20 شخصاً داخل المدينة فقط تمّ إجلاؤهم لاحقاً من قبل “الجيش الحر”.
بعد فترة توصّلت الولايات المتحدة وروسيا إلى “هدنة المنطقة الجنوبية” التي نصّت على وقف إطلاق النار من قبل جميع الأطراف، ما أدّى إلى عودة جزء من المدنيين.
لكن وبعودة الأهالي اتضح أن الصورة تغيرت إلى حد كبير بالنسبة لشكل الحياة هنا. يتحدث الناشط الإعلامي بدرعا أحمد المسالمة، عن السرقات من خلال مشاهداته ورصده لواقع المدينة والعمليات الأمنية التي تتم فيها. يقول المسالمة لـ “صدى الشام”: “إن محافظة درعا باتت غابة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وبات القوي قادراً فيها على فعل أي شيء دون أي رادع”.
ويضيف أن الكابلات الأرضية الخاصة بالهواتف مصنوعة من نحاسٍ باهظ الثمن ومن الممكن أن يدر الكثير من الأموال على سارقيه، لذا فقد تمت سرقة هذه الكابلات بشكلٍ ممنهج وفي وضح النهار أمام أعين المدنيين دون أن يتمكّن أي أحد من ردع اللصوص.
ويشرح المسالمة كيف أن السارقين قاموا بحفر الأرض في منتصف الطريق كون هذه الكابلات تتوسطه، وقاموا بسحبها وحرقها واستخراج النحاس منها، لافتاً إلى أن “اللصوص كثر ومن كل الفئات وليسوا فقط ممن يمتهنون السرقة” حسب قوله.
فوق الأرض وتحتها
يشير المسالمة إلى أن قيمة المسروقات تبلغ قيمتها عشرات الملايين، لافتاً إلى أن السرقة طالت أيضاً كابلات الكهرباء المُعلّقة على الأعمدة المرتفعة، حيث تم تسلّق هذه الأعمدة وسرقة ما عليها.
ويوضح أنه قبل اندلاع الثورة كان قد جرى مدّ كابلات بكل أرجاء محافظة درعا وريفها بغية إيصال الكهرباء والهاتف الأرضي إلى كل المنازل ولكن هذه الكابلات باتت اليوم منزوعة ومسروقة كليّاً، مضيفاً أنه تمت سرقة قساطل المياه حيث تم نبش الأرض واستخراجها وبيعها أيضاً.
وبحسب المسالمة، فإن سكك الحديد الممتدّة من نصيب إلى منطقة غرز، ومنها إلى تل شهاب وزيزون لم تعد موجودة إلّا بمدينة درعا، حيث تمت سرقة السكّة من معظم المناطق التي تمر منها.
أما الخط الواصل بين دمشق ودرعا المدينة عبر خربة غزالة إلى محجّة ومنها إلى اللجاة فدمشق، فقد تم انتزاعه بشكلٍ شبه كامل وبقي منه القليل فقط، وهذه السكّة يُطلق عليها الخط الحديدي الحجازي، وهي جزء من سكك الحديد الواصلة من تركيا الى المدينة المنورة والمعرفة تاريخياً بأنها كانت تنقل الحجاج والتجار سابقاً، وقد باتت متوقفة عن العمل مع الوقت حتى أصبحت إرثاً تاريخياً، فيما بقي هناك قطار يعمل بين درعا ودمشق ودرعا والأردن حتى بداية الثورة.
لكن “ليس هذا كل شيء” يقول المسالمة، فقد سُرقت كذلك الحجارة السوداء “التي تُعتبر فخر حوران”، حيث تعرّضت أولاً للقصف ودُمّرت بشكل جزئي، ثم جاء سارقون واستولوا على الحجارة وباعوها.
خسائر كبيرة
لم يكن للشرطة الحرّة دور يذكر في ضبط هذه الحالات المنتشرة بشكل مريع، ما جعلهم موضع انتقاد، إذ أن عملهم يقتصر كما يقول المسالمة على “الجلوس في المكاتب بانتظار الراتب دون أي دور على الأرض”. ويضيف أن المناطق التي تعرّضت للسرقة في الفترة السابقة هي “درعا المدينة، صيدا، المسيفرة، بصرى الشام، طفس، داعل، المزيريب، جاسم، نوى وإنخل”.
لكن ما هو حجم الخسائر التي تتسبب بها هذه السرقات. يجيب الكهربائي السوري محمد ريّس، مشيراً في حديثه لـ “صدى الشام” إلى أن “كلفة إعادة تأهيل ما تمت سرقته أكبر بكثير من سعر ما سُرق”. وأردف ريس أنّ كلفة إعادة تأهيل البُنى التحتية حتّى بعد شراء المواد الأولية مثل الكابلات والمضخّات، سوف تكون مرتفعة جداً. وضرب مثالاً على كابلات الهاتف الأرضي التي تحتاج إلى حفر الأرض بعمقٍ كبير لإعادة مدّها وهو ما يكلّف مبالغ طائلة، وكذلك الأمر بالنسبة لأسلاك الكهرباء.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث