صحيفة الحياة /
شكلت استضافة الإعلامي المصري عماد أديب للإرهابي الليبي عبدالرحيم المسماري المتورط في حادث الواحات المعروف إعلامياً بـ «معركة الواحات»، سابقة في الإعلام المرئي المصري، إذ لم يسبقها مقابلات مشابهة مع إرهابيين بهذه الخطورة. ففي وقت سابق، وعلى استحياء، استضاف الإعلامي أسامة كمال زوجة الإرهابي الانتحاري محمود حسن مبارك الذي فجّر نفسه في الكنيسة المرقسية في الإسكندرية في نيسان (أبريل) الماضي، فيما استضاف المذيع عمرو أديب شقيق الإرهابي نفسه آنذاك، ما أثار استهجان عائلات الضحايا والرأي العام المصري، ودفع المذيعين إلى الاعتذار. هذه المرة عماد أديب لم يتراجع أو يعتذر، معتبراً أنه قدم سبقاً إعلامياً. في المقابل أجج اللقاء الذي عرض على شاشة «الحياة» موجة غضب عارمة، وطرح تساؤلاً ونقاشاً حول دور الإعلام في حوار ومراجعة أفكار الإرهابيين في معركة مكافحة الإرهاب، وما حدود السبق الإعلامي؟ وهل أضحى الإعلام منبراً لترويج الأفكار المتطرفة بدلاً من أن يكون ساحة لمحاربتهم ورجم أفكارهم ومواجهتها؟
وتساءل بعضهم ما الهدف المبتغى من اللقاء التلفزيوني الذي بدا وكأنه «مراجعات» عبر حوار غير متكافئ ظهر خلاله الإرهابي أشد صلابة وأقوى حجة من محاوره الإعلامي الكبير.
ظهر المسماري خلال الحوار مهندماً ويحمل وجهه بقايا براءة لشاب غض في مقتبل الحياة، تحول إلى «سافك دم»، ولا ريب أن تلك البقايا في ملامحه أتت أثرها على فئات معينة من الرأي العام المصري، إذ لا يمكن التحكم في البشر وعقائدهم وميولهم، ومن ثم قد يتعاطف بعضهم مع أفكاره تارة أو يعتبرونه ضحية تارة أخرى، أو تراه فئة أخرى شجاعاً رابط الجأش وإن اختلفوا مع معتقداته الفكرية. وبالموازاة، أجج اللقاء مشاعر أسر ضحايا العملية الإرهابية من رجال الأمن، وأعلنوا عزمهم مقاضاة عماد الدين أديب، وشبكة قنوات «الحياة»، أمام المحاكم المصرية لاستضافتها المسماري، والذي اعتبروه أمراً مسيئاً تسبب في ضرر نفسي ومعنوي بالغ لهم، بخاصة أن الإرهابي اعترف تفصيلياً باشتراكه في العملية.
«الحياة» سألت حول مقدار ما تحمله تلك اللقاءات من ترويج وجلب للتعاطف مع أولئك الإرهابيين، أو على الأقل اعتياد ملامحهم.
واستنكر الصحافي شادي صلاح الدين، شقيق الرائد عمرو صلاح الدين من قوة العمليات الخاصة في قطاع الأمن المركزي، والذي استشهد في «معركة الواحات»، ظهور الإرهابي واعتبره أمراً غير أخلاقي. وقال لـ «الحياة» إن «ظهور الإرهابي بعد أقل من شهر على الواقعة يعد استهانة كبيرة بمشاعر أسر الشهداء وعدم احترام أسى فراق ذويهم، بخاصة أنه إرهابي قاتل اخترق الحدود والسيادة المصرية، ومن ثم فموضعه الطبيعي الاحتجاز والتحقيق معه عبر أجهزة الأمن». وأضاف: «لا أجد مبرراً لذلك الفعل سوى الحصول على سبق إعلامي، ما يمثل انهياراً أخلاقياً، بخاصة أن أديب بدا كما لو أنه يحاور شخصاً عادياً، إذ كان رفيقاً بالإرهابي عبر استخدام عبارات ودودة». ورأى أن الحوار مع متطرفين يتطلب اختصاصيين ورجال دين وعلماء لديهم القدرة على محاورة شخص بدأ يتجه إلى التطرف لمحاولة إنقاذه من هذا الوباء وحمايته من الانضمام إلى الجماعات التكفيرية، أما أن تأتي بإرهابي قاتل اعترف ويتفاخر بذلك على شاشات التلفزيون فهذا أمر تخطى مرحلة السقطة والخطيئة المهنية».
وقال عميد كلية الإعلام في الجامعة البريطانية في القاهرة الدكتور محمد شومان لـ «الحياة»: «لا توجد قواعد متفق عليها في شأن استضافة الإرهابيين، فهي تختلف وفقاً لسياسات كل وسيلة إعلامية، ولكن لست مع استضافتهم تحت أي دعوى، وبغض النظر عما سيقدمونه للجمهور سواء الاعتذار أو الاعتراف، لأن الظهور على الشاشات من شأنه تحويلهم إلى نجوم لدى أصحاب الاتجاهات المتعاطفة مع الأفكار المتطرفة، ومن ثم فتلك اللقاءات التلفزيونية قد تؤدي لنشر أفكارهم، بخاصة إذا كان المحاور لا يتمتع بالخبرة أو الدراية الكافية، ومن ثم أناصر منع مقابلة الإرهابيين ويمكن الاكتفاء بإفادة في شكل خبري تبثه الوسائل الإعلامية، كي نحافظ على حق الجمهور في المعرفة».
وعن إضرار هذا اللقاء التلفزيوني بالقضية والإنجاز الذي حققته الأجهزة الأمنية في إغلاق القضية وتحرير الضابط المحتجز محمد الحايس قال شومان: «لا يمكن حسم ذلك أو تقويم نتائج تلك الحلقة في ظل غياب دراسة ميدانية عبر بحوث «المشاهدة»، واستطلاع ومسح آراء الجمهور، وكل ما يطرح هو أحكام تقويمية عبر اجتهادات، وانطباعات من دون حكم صارم. وثمة قواعد تحكم التغطية الإعلامية للحوادث والأزمات الإرهابية ومنها حق الجمهور في الحصول على معلومات من دون الدعاية للإرهابيين أو طمس الحقائق والمعلومات». ولفت إلى أن ذلك اللقاء هو حالة نادرة في الإعلام المصري، وثمة معارك طويلة مع الإرهابيين في سيناء واحتجاز بعضهم، ولكن لم يحدث أن أجريت حوارات مع إرهابيين». ونوه بـأن «ثمة فوضى في شأن التغطية الإعلامية للعمليات الإرهابية ومنها نشر صور ضحايا تلك الحوادث، وأحياناً أخرى نشر جثث الإرهابيين وهو مخالف لمواثيق الشرف الإعلامي».
ولم يرحب عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب خالد عكاشة بهذا اللقاء، وقال لـ «الحياة» إنه «كان ينبغي عرض مجموعة من المعلومات عبر بيان رسمي لوزارة الداخلية، مصحوباً بمقطع مصور لاعترافات الإرهابي إلى الرأي العام في صورة «مادة خام» إعلامية مصورة تترجم إلى لغات عدة، تنقل هذا «المنتج الإعلامي» الذي يحظى بالصبغة الإخبارية الكاملة عبر أسئلة تأخذ طابع التحقيق، وبينها كيفية ارتكاب الجريمة والسلاح المستخدم والمساعدون والخطط المتبعة ولائحة الأهداف المتوقعة للمجموعة الإرهابية، ما ينقل إلى المشاهد حجم الجرم الإرهابي الذي جرى إعداده، أو توضيح دور الأجهزة الأمنية التي أجهضت تلك الخطط عبر القضاء على الخلية الإرهابية، ما يمنع أي انحراف ذهني أو عاطفي للمتلقي، كما يكون قابلاً للتداول في كل وسائل الإعلام العالمية لكون مكافحة الإرهاب شأناً دولياً وليس محلياً فقط، ما يمنح ويضمن مساحة للترويج، بخاصة أن تلك الحادثة تابعها الرأي العام العالمي، وأشاد الموقع الإلكتروني لـ «البنتاغون» بأداء القوات المسلحة المصرية وإنهائها بهذه الصورة. كما أن المؤسسات الدولية تتعاطى مع بيانات ووقائع وأحداث واتهامات، ولن تستوعب ظهور الإرهابي على شاشة «الحياة» عبر جلسة أقرب للدردشة، وحينما خرج الإرهابي بهذا الشكل في الحوار التلفزيوني فقد حرمنا أنفسنا من أحد أشكال الترويج».
وأوضح عكاشة أن «هذه الحوارات ليست اختراعاً أو انفراداً ولم نبتدعها، كما أن شكل الحوار كان ينبغي أن يأتي مختلفاً، وليس محله وسائل الإعلام، وأشهرها «حوار المراجعات» الذي تم في السجون المصرية في فترة نهاية التسعينات واستمر لمدة 3 سنوات كاملة، واستعانت خلاله وزارة الداخلية بمجموعة من رجال الدين وخبراء علم النفس والاجتماع ونشرت تفاصيل تلك المراجعات، وثمة أشكال مختلفة من تلك الحوارات تتم على مستوى العالم ومنها غوانتانامو وسجون أفغانستان».
وأشار إلى ضرورة اتباع أداء متطور عبر إخضاع تلك النماذج الإرهابية للبحث والدراسة في المختبرات الفكرية والأمنية، بغية إفادة الأفراد والعناصر الأمنية عبر حوار أكثر مهنية وتفصيلاً وتدقيقاً، واستخلاص نتائج وأفكار رصينة وعرضها على الرأي العام».
ونوه عكاشة بأنه من الأعراض الجانبية والمساوئ التي لا يمكن أن تكون بعيدة من ذهن المشاهد، التعاطف مع مثل هؤلاء الإرهابيين، وقد يتوحد بعضهم مع ذلك الشخص، وينزلق مع أطروحاته بأي شكل، إذ لا يمكن التحكم في الجمهور، وثمة تقويم حاكم على مستوى العالم لهذا الأمر، فلا يمكن أن يخرج إرهابي على الشاشة في هذا الشكل، هو إرهابي ولكن قد تنطوي بداخله تفاصيل كثيرة مليئة بالبطولة والشجاعة والنقاء. وعلى رغم كونها مزيفة لكنها تجذب أناساً كُثراً رغماً عنهم وبينهم من رأى أداء الإرهابي رائعاً، وأفحم المذيع وأشاد بعضهم بكونه رجلاً شجاعاً ويحمل عقيدة».
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث