الرئيسية / رأي / عصام زهر الدين.. الدمية التي ستكلّف السويداء دماً لن يجفّ

عصام زهر الدين.. الدمية التي ستكلّف السويداء دماً لن يجفّ

صدى الشام _ شهد الشامي /

للمجتمع الدرزي أو مجتمع مدينة السويداء في جنوبي سوريا خصوصيته الآتية من الدعائم النفسية التي بني هذا المجتمع عليها، إذ إن الدعائم الأساسية لمكونات هوية هذه المحافظة لا تتمثل في العامل الديني أو الطائفي، بل إنّ أهم مكونات افتخار ابن السويداء بذاته هي تاريخ المحافظة الوطني المشرف والغريب، فمحافظة بهذا الحجم الصغير جداً من السكان والمساحة، وبهذا العدد القليل جداً ضمن نسب الطوائف والأديان المختلفة التي تسكن سوريا، استطاعت رغم ذلك أن تكون في طليعة من ساهم بطرد العثمانين من سوريا، إذ كان سلطان الأطرش أوّل من علّق العلم العربي السوري في ساحة المرجة في دمشق حتى قبل وصول قوات الشريف حسين، وهو علم صنعته أخته بيدها، ثم جاء بعد ذلك دورهم الأساسي والأهم في طرد المستعمر الفرنسي، فقد قدّمت المحافظة وحدها ثلاثة أرباع شهداء الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي في عام 1925 وتفانى أبناؤها في القتال غير المتكافئ مع جيش هو من أحدث جيوش العالم في ذلك الوقت، وكان نصرهم الأسطوري في معارك مثل المزرعة والمسيفرة، كل ذلك جعل ثوار سوريا يعيّنون سلطان الأطرش قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى وهذا ما أدى لرفع مستوى الحس الوطني على حساب الحس الطائفي لدى سكان المحافظة، وهو ما جعلهم يحولون كل أعراسهم الى مسرحيات كاملة تتحدث عن بطولاتهم في المعارك، وعن عمق حضور الوطن فيهم، وعن شخصية سلطان الأطرش التي لم تشكل مجرد شخصية زعيم لثورة وطنية عظيمة، وانما شكلت في وجدانهم مثالاً للنبل والحكمة، فهو الذي لم يقبل أبداً أن يصبح رئيساً على دولة تسمى دولة الدروز مقابل أن يعفيه الفرنسيون من أربعة أحكام للإعدام، كما أنه بعد استقلال سوريا، وبعد استلام البعث، ثم انقضاض حافظ الأسد على السلطة، لم يقبل بأن يشارك بأي منصب وزاري أو سياسي عرضه عليه الأسد قائلاً: “أنا قاتلت لأني ثائر يدافع عن كرامة شعبه، ولن أكون موظفاً عند أحد”.

كل هذا جعل حافظ الأسد يخاف من هذا البعد العميق الوطني بداخل الضباط الدروز في “الجيش السوري” ويخاف مما يشاع عنهم من الجرأة والشخصيات الجبلية العنيدة عزيزة النفس، ليقوم بتسريح ثلاثمائة ضابط سوري من رتب عالية في شهر واحد من الجيش بالاتفاق مع صلاح جديد، الذي كان في ذلك الوقت مساعده الأهم، وهذ ما جعل ضابطاً مثل “سليم حاطوم” يحاول الانقلاب على حكم الأسد، ليفشل ومن ثم يقتله الأسد بمكيدة.

لكل هذه الأسباب كان عدد المتطوعين الدروز في الجيش السوري قليلاً، وكانت أكبر نسبة اغتراب لكسب العيش هي في مدينة السويداء التي دفعت وحدها ثمن استقلال سوريا.

إن كل هذا جعل من نظام الأسد يشكل أكبر وأسوأ فروعه الأمنية في السويداء، لكن النظام كان دائماً حريصاً على إذكاء الروح الطائفية بين الناس وذلك حين جعل رفيق حلاوة خائناً ليقول لباقي السوريين أن الدروز خونة، كما أنه اغتال العديد من شخصيات المحافظة المحبوبة وألصقها بتنظيم الاخوان المسلمين بعد أحداث حماة في الـ 82، محذراً الدروز وخاصة الساذجين منهم بأنه بدونه سوف يتعرضون لمذابح طائفية، وقد حاول بنفس الوقت التقليل من أهمية سلطان الأطرش في كتب التاريخ، ومنع الاحتفال السنوي بتاريخ وفاته، واعتقل عدداً كبيراً جداً من مثقفي المحافظة، وكان يشجع التكتلات السنية ضد الدروز في الجيش، وفي الجامعات، وبين فترة وأخرى يغتال شخصية هامة في الجيش ويلصقها بسني ويزعم أن السبب هو أن الشخصية درزية.

بعد بدء ثورة الكرامة في 2011 كان نظام الأسد يخاف من السويداء تحديداً، لأنه كان يعلم أن من يعارضه فيها كثر جداً وهم من الطبقة المتعلمة ومن النخب الثقافية، وأن هذا ينفي كل ادعاءاته بأنها ليست ثورة وبأنها حركة سنية فوضوية يقودها رعاع وجهلة، لذا فقد كثف وجوده الأمني في السويداء، وبدأ بتشويه صورة معارضيها بأنهم يتعاملون مع الخارج ومع إسرائيل، وهو يعلم كم أن الشعور الوطني عميق في داخل ابن المحافظة البسيط، وبدأ يتقرب إليهم من خلال زيارات بشار وأسماء الأسد لقرى المحافظة الفقيرة، ومن خلال نشر فكرة التخويف من الانتقام الطائفي الذي سيقوم به المعرضون -لو انتصروا- بأهل السويداء لأنهم وطنيوّن.

طبعا هذا الكلام لم يصدقه إلا البسطاء، والذين يعيشون حالة رعب الأقليات، والتي ربطت الوطن بالنظام، لأن المعارضة كما صُوّرت لهم “عميلة ضد الوطن”.

لقد خرجت في السويداء مظاهرات عديدة كانت تتميز يحضور أساتذة الجامعة والأطباء والمهندسين والمحامين، لكن هذا الحراك تعرّض للقمع بسبب وجود عدد كبير من رجال الأمن، وأسفر عن اعتقال وموت معارضين تحت التعذيب.

أمام ذلك اتجه النظام لاختراع  شخصية جديدة يتعلق بها أهل السويداء مثلما تعلقوا بماضيهم الثوري الوطني، وكان يريد أيضاً أن يقول للمعارضة بأن الدروز هم من يقتلونكم، وذلك ليذكي نار الطائفية التي تجعلة ينتصر.

من هنا جاء بالون اسمه “عصام زهر الدين” الذي لم يكن سوى رجل عادي في الجيش، يتميز بالجرأة والعضلات والكاريزما، والأهم أنه يتميز بصفات الانتهازية والوضاعة اللازمة لصناعة هذه الدمية، وبدأ النفخ الإعلامي به وأصبح لواء، ليصبح هو بطل “بابا عمرو” الذي طلب منه النظام أن يصور نفسه وهو يدوس على الجثث لبث أكبر نسبة حقد طائفي ممكنة، وكان عليه أيضاً أن يصبح بطل كذبة تحرير حلب، ودير الزور، وأن يتصور مع الجثث المعلقة من رقابها بأسلاك نحاسية ضمن منظر لا يمكن لبشري أن يقبله.

اليوم يتخلص النظام من عصام زهر الدين بعد أن ورد اسمه في قائمة العقوبات الأوربية لعام 2017 وبعد أن انتهت صلاحيته، ويقتل مساعدين اثنين في الأمن الجوي في السويداء، لأنهما يمكن أن يكونوا شاهدَين على ما فضحته آخر قضية اختطاف لكاترين مزهر في السويداء.

اليوم يموت “عصام زهر الدين” وهو يحمّل الدروز دماً ربما أكثر مما نتخيل؛ دم الصور الرخيصة، ودم الجثث التي داسها، دماً لن يجف لقرون، وخاصة بعد هذا التأبين غير المنطقي والمدبر من النظام، والذي شارك فيه الكثير من البسطاء والأغبياء الدروز، والذي سيجعلهم يندومون يوماً على حمل صوراً له تشبُّهاً بسلطان الأطرش، الذي لو قُدّر له أن يكون الآن موجوداً لبصق في وجوههم جميعاً، ولقال لهم: “يا من قاتلتم الفرنسيين دون خوف، كيف سمحتم لبشار الأسد أن يقتل الشيخ البلعوس ومعه أربعون آخرون في نقس التفجير النذل وصمتّم؟ كيف صمتّم عن قتل مئة شاب منكم تحت التعذيب، وكيف تسمحون اليوم لهذا الوحش بتخريب تاريخكم، وتخريب وصيتي بوطن سوري واحد لا يقتل فيه السوري سوريّاً آخر؟ وكيف تجرأتم أن تقتلوا فيكم النخوة الحقيقية التي شكلت وستشكل دائماً هويتكم الوحيدة؟”.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *