الرئيسية / رأي / أنا من هناك

أنا من هناك

صدى الشام _ ثائر الزعزوع/

تتحكم الجغرافية السورية بتفاصيل حياتنا اليومية سواء أكنا داخل سوريا أم خارجها، محاصرين في منطقة ما، أو منفيين ولاجئين في بلد ما، تستطيع تلك الجغرافية المستلبة أن تؤثر فينا سلباً وإيجاباً، وتتحكم بمزاجنا العام، طبعاً يخضع الأمر لما تمر به تلك الجغرافية من أحداث، فهي لم تعد ومنذ ست سنوات مجرد نقاط على الخريطة، كنا في الكثير من المرات نتعامل معها بإهمال، لكنها تحولت إلى نقاط علام لما سيكتب لاحقاً في التاريخ، لذلك فإن تلك الإرهاصات التي تتعرض لها الجغرافية لن تقتصر على كونها صراعاً دموياً ثقيلاً ومكلفاً، لكنها أيضاَ تضع نقطة انطلاق لمستقبل ما تزال ملامحه غامضة، على صعيد تلك الجغرافية أيضاً، وخاصة أن ما يتم العمل عليه الآن هو تمزيق تلك الجغرافية وتفكيكها لرسم خرائط جديدة، لا نستطيع أن نجزم إن كانت مؤقتة لإيقاف “الحرب الدائرة” أم دائمة، لتسفر في النهاية عن نشوء دول أو دويلات، هكذا سوف تُسمى بداية للتقليل من أهميتها، ثم ستتطور لتصير دولاً، ولعل المشهد نفسه حدث قبل قرن من الزمان، وهو إلى حد كبير يتشابه في الكثير من تفاصيله مع ما يحدث الآن.

صحيح أن معظم القوى على الأرض تريد أن تنجز مشاريعها الخاصة لتستقل بكياناتها، لكن من يضع الحدود النهائية بين المتخاصمين هو من سوف يحدد ما هو المسموح وما هو الممنوع.

الأمر رغم صعوبة تناوله من ناحية عاطفية إلا أنه بات جاهزاً، حتى لدى كثير من السوريين ليصير أمراً واقعاً، فالمهم هو نهاية هذا النزيف المستمر. سأقول إني سمعتها من كثيرين، وهم محقون، لأن الإنسان في النهاية يعيش حياة واحدة، وتلك الحياة التي تتحكم فيها الجغرافية كثيراً قصيرة ولا تحتمل مزيداً من المعاناة.

التمهيد لهذا الأمر بدأ باكراً جداً، من جهة النظام أولاً، والذي جند العشرات من كتابه وإعلامييه  ليطلقوا صفة البيئة الحاضنة للإرهاب على جميع المناطق الرافضة لحكم آل الأسد، وقد اجتهد أولئك “المأجورون” والذين يهمهم بالدرجة الأولى إرضاء سيدهم، في شيطنة الطرف الآخر، وإن كنا قد ناقشنا في الأسبوعين الماضيين فكرة الخيانة وتأثيرها على الحالة السورية، فإن ما فعله أولئك كان ترسيخ مفاهيم رفضٍ لدى من هم خاضعون لسلطة النظام، فالأسهل بالنسبة للنظام هو أن يبعد عنه تلك البيئة الحاضنة وأن يستقل ببيئته الموالية له، والتي ستشكل تباعاً مجتمعاً مختلفاً كلياً عن مجتمع ما وراء الأسوار.

كانت الحالة في غاية الوضوح هناك في حلب، قبل أن يخرج ساكنوها منها، وكنت تستطيع التفريق بين حلبين تفصل بينهما حدود. يبدو ساكنو القسم الموالي وكأنهم يعيشون في عالم آخر غير العالم الذي يعيش فيه المتمردون على نظام دمشق والرافضون له. مفردة متمردين لا تنتقص من فكرة الثورة على الإطلاق فالثورة تمرد على كل حال، كما يمكن أن نلمس ذلك بين أحياء دمشق وأحياء غوطتها، وكان الأمر واضحاً وجلياً أيضاً ما بين حي الوعر إبان فترة حصاره قبل عملية تهجير ساكنيه التي تمت مؤخراً.

الأمر إذاً فصلٌ بين مجتمعين لم يعد أي منهما يتعاطف مع الآخر حتى إنسانياً، وإن كان مجتمع الثورة قد تأخر ليبدأ بفعل الشيء نفسه، فصرت تلحظ ذلك التشفي نفسه حين يقع حادث في الجانب الآخر، وقد عملت وسائل إعلام وبعض مسموعي الرأي لفعل الأمر نفسه بين العرب والكرد وخاصة في تلك المناطق التي يتجاور فيها العرب والكرد منذ عشرات وربما مئات السنين، وقد أدى الشحن المتواصل والحماقات المنهجية التي قامت بها بعض الفصائل، عمليات التهجير على سبيل المثال، إلى بناء جدار عازل بين الأخوة، فصاروا بشكل تلقائي أخوة أعداء قد يتقبلون لاحقاً أن ينفصل أحدهم عن الآخر، ليعيش كل في عالمه الذي لا يريد أن يدخله الآخر إلى بإذن.

تلك الجغرافيا التي تتمزق تباعاً تترك آثارها في قلوبنا فنتمزّق شئنا هذا أم أبينا، وستظل تترك آثارها فينا وقتاً طويلاً، ولا أظن أن ثمة من يستطيع أن يتعافى من تلك العلل التي صارت جزءاً من تركيبته، فإذا كان علماء الطبيعة يدرسون تأثير البيئة الجغرافية على ساكنيها، فمثلاً يرصدون الاختلافات ما بين أبناء الجبال وأبناء الصحارى أو بين النهريين والبحريين، فإن دراسة حالة الجغرافية الممزقة وتأثيرها على أهلها لا شك أنها تبدو دراسة مؤلمة ومؤثرة، وهي بكل تأكيد ستكون دراسة استثنائية سيشكل السوريون مادة ثرية لها، ليس من خلال معاينتهم على أرض الواقع بل من خلال رصد ردود أفعالهم وحالاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي ينشطون عليها والتي صارت تشكل للكثيرين وطناً بديلاً، أو مقهى يلتقون فيه بمن يحبون ويتعرفون على أشخاص جدد يختارون أنفسهم وفقاً لما تفرضه الجغرافية بطبيعة الحال.. علينا ألا ننسى ذلك..

من أين أنت؟ من سوريا، من هناك..

سوري مثلي إذاً، ولكن من أين؟ ليبدأ الانتقاء والفرز بعدها..

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *