صدى الشام _ ميسون شقير/
يأتي عيد ميلاد فيروز الحادي والثمانين ولا نصْب لفيروز في أية عاصمة عربية. يأتي عيد ميلاد تلك الصغيرة التي ولدت لأسرة فقيرة والتي سمِعها ذات يوم الأستاذ “أحمد فليفل” ملحن النشيد السوري، وقدمها في حفلة المدرسة وحين سمعها حليم الرومي قدمها لمعهد الموسيقى، أما حين سمعها عاصي الرحباني فقد شاركها الحياة ليقدمها لنا وللعالم كله.
فيروز الصبية الخجولة المؤدبة التي تحولت بصوتها وبعبقرية الأخوين رحباني وبذكائها وتواضعها إلى سفيرة السماء للأرض وسفيرتنا إلى العالم، يأتي عيد ميلادها الحادي والثمانين ولا نصب لها أمام أي دار للأوبرا، أو على مدخل أية مدينة أو في أية حديقة سقت فيروز وردها كلها بما تركت فينا من ماء.
ما الذي ننتظره نحن العرب كي نكرم من بنى فينا أجمل ما فينا؟ أم أن ساحاتنا وُجدت فقط لمن يهدمون فينا ما تبقى؟ ماذا نريد أبرز من هذا الاسم كي نقيم له نصباً؟ فيروز التي تحمل مفتاح لاس فيغاس من عمدتها والتي تحمل ميدلالية باريس، والتي كُرمت في كل عواصم العالم والتي مُنحت جوائز الموسيقى وجوائز قلوبنا، هل ننتظرها حتى تموت كي نبني لها نصباً في ساحة صغيرة قريباً من قبرها كما فعلنا مع درويش؟ في عيد ميلادها الحادي والثمانين لا ندري نحن الناس العاديون هل كنا سنستيقظ بدون صوتها، وإن كان لابد لنا أن نستيقظ بماذا كنا سنفتتح نهاراتنا وقلوبنا لولا ذاك الدِفء القادم من ثلوج قمم صوتها، ومن حفيف تلك الغزلان البرية التي كانت ترعى في عشب المعاني؟
فيروز القامة التي دخل ظلها لكل قلب عربي، فيروز الحصن الأول والأخير لأرواحنا والمشروع الحضاري العربي الحقيقي الذي ارتقى بحالة التذوق.
فيروز الظاهرة التي تعالت فوق كل التسميات والأحزاب السياسية، والتي غنت للوطن الساكن في عيوننا أكثر من أي صوت عربي آخر، فيروز الصوت الوحيد الذي حمل أرز لبنان وطافَ به إلى كل العواصم العربية وغنى لها، فيروز التي غنت دمشق كما لم يغنيها أي دمشقي والتي غنت عمان كأنها أردنية الهوى وحاكت بغداد كما تحاكي عاشقة، فيروز التي غنت لمصر وللإسكندرية كأنها ابنة النيل التي لا تخون، وغنت للجزائر وتونس وليبيا وللمغرب، فيروز الوحيدة التي غنت لمكة وهي مغنية مسيحية، وفيروز التي حملت القدس على كتفها أينما ذهبت وصار الجرح الفلسطيني يسكن حنجرتها، فيروز التي لم تقبل أن تغني لأي رئيس لكنها غنت لكل المدن لأشجارها وأنهارها وحواريها، وغنت التاريخ كأنها الوحيدة الطالعة منه والعائدة إليه، فيروز التي غنت الأندلس كأنها الأندلسي العربي الوحيد.
فيروز هذه ألا تستحق تمثالاً واحداً في ساحة عربية؟ ألا يوجد مكان واحد لها بين كل تماثيل الرؤساء والملوك التي تملأ كل ساحاتنا ومداخل مدننا ومكتباتنا وحتى دور الأوبرا، والجامعات ومراكز الثقافة؟ ألا يوجد مكان لفيروز في لبنانها الذي خلدته بكل ما غنت والتي دارت العالم وعلى صدرها بحره وجباله؟ أليس من مكان لها في شآمها التي كانت تجدد تاريخها كل عام بالأغنية الجديدة التي ستقدمها لها فيروز في معرض دمشق الدولي؟ أليس من مكانٍ لتمثال لها بين أبراج دول الخليج العربي كلها؟
فيروز التي أعادت فينا بناء الانسان من الداخل بكل طفولة وشفافية وقدرة هائلة على اختراق الروح بدون إيديولوجيا وبدون تعاليم ومواعظ، فيروز التي أعادت الشعر إلى الكلام، وأعادت الكلام إلى أصله. فيروز التي غنت جبران وشوقي وبدوي الجبل والتي غنت شعر عاصي ومنصور طيلة حياتها. فيروز التي تركت لنا أكثر من ستين ألبوماً من غناء الروح لم تترك شيئاً فينا لم تغنِّ فيروز له. فيروز مجّدت فينا الحب الأخضر كجبالها. غنّت للأم، للأخت، للحرية، للحياة، للنهر، للتناقض الذي يسكننا، لمفهوم الوطن الذي لا يسافر حين نسافر. فيروز التي رفضت أن تترك لبنان وتهاجر في حربه الطويلة بل بقيت حتى دفنت ابنتها فيه بعد القصف. فيروز التي لم ترحل حين كانت الحرب ألا تستحق تمثالاً وهي في عمر الواحد والثمانين؟ وكل الذين يشعلون الحروب ويطلقون الرصاص يُقام لهم في كل زاوية نصب سيسقط سريعاً فيما نصبها الوحيد يبقى في كل قلب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث