الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / التعبئة العامة في سورية ومحاولة النظام الأخيرة

التعبئة العامة في سورية ومحاولة النظام الأخيرة

د.بشار أحمد

منذ انطلاق الثورة السورية ودخولها العمل العسكري المسلح، وخاصةً بعد تحوّل النظام إلى قمع المتظاهرين العزّل وبشتى أنواع الأسلحة،
وعلى أثر حركة الانشقاقات العسكرية التي قام بها عدد كبير من الضباط والجنود الأحرار
وانضمامهم إلى حركة الثورة السورية، بدأ نظام الأسد يدرك خطورة موقفه بعد أن بدأ جيشه
يتقلص شيئاً فشيئاً، وأنه قد خسر منه خلال السنة الأولى من عمر الثورة أكثر من 30 ألف
عنصر انضم معظمهم للثورة وقتل بعضهم، وليتراجع عدد قواته من 325 ألف عنصر إلى 295 ألف
عنصر خلال العام الأول من الثورة، وليصل في نهاية عامها الثاني وبداية عامها الثالث
إلى 178 ألف عنصر، بتراجع مقداره 147 ألفا خلال أقل من 3 سنوات، وهو ما شكّل ضربة قوية
للنظام أفقدته العنصر البشري في جيشه، فلجأ إلى طائفته وبدأ بتطويع الشبان والفتيات
إلى درجة وصلت الأمور إلى مرحلة الهزيمة وقرب إسقاطه لولا تدخّل إيران وحزب الله اللبناني،
ومدّهما للنظام بالجنود والعتاد والأسلحة، وهو ما أطال من عمره إلى الوقت الراهن، بعد
تجنيد آلاف المتطوعين ليكونوا جزءاً من جيشه الطائفي الذي تتولى عناصر وضباط الحرس
الثوري الإيراني تدريبه وتسليحه وقيادته.

التعبئة العامة التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة ما هي إقرار
فعلي بالتعثرات التي تصاحب النظام في حربه ضد الشعب السوري.

اليوم وبعد أكثر من أربعة أعوام ونصف العام من انطلاق الثورة السورية، تتزايد
ملامح التخبط وغياب الرؤية الاستراتيجية للنظام السوري، وسط تراجع ملحوظ في نسب سيطرته
على الأرض السورية، وازدياد الكلفة اللوجستية والقتالية في حربه ضد الشعب السوري. فالتعبئة
العامة التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، والتي قيل أن النظام السوري بدأ بتطبيقها
بكثافة في العاصمة دمشق، هي إقرار فعلي بالتعثرات التي تصاحب النظام في حربه ضد الشعب
السوري؛ فلا الحرب “خلصت” كما يروج إعلام النظام وأبواقه، ولا الدعم
الروسي والإيراني كان قادراً على قلب المعادلة السورية، أو حسم المعركة لصالح نظام
الأسد. وهو ما دفع النظام مؤخراً للجوء إلى شن حملات اعتقال واسعة في صفوف الشباب،
لا سيّما في المناطق الخاضعة لسيطرته كدمشق والساحل، لزجهم عنوة في صفوف جيشه وميليشياته.
وقد استخدم النظام الحواجز العسكرية المنتشرة بالمدن التي يسيطر عليها لإلقاء القبض
على الشباب ممن هم من مواليد 1974 حتى 1990، ونقلهم مباشرة إلى الجبهات الساخنة، متبعاً
أسلوباً جديداً يمكنه من اعتقال أكبر عدد ممكن من الشباب عن طريق تعميم أسماء جديدة
للاحتياط على الحواجز مباشرة، دون تسليمها لشُعب التجنيد، بهدف منع الشبان المطلوبين
للاحتياط من الهجرة، وسحبهم بشكل مباشر إلى الجبهات الساخنة كجبهات حلب وحماة وريف
اللاذقية.

خلال السنوات الفائتة من عمر الثورة السورية، بدا خوف الشباب السوري تحت سن
الأربعين من فكرة السوق الإجباري للخدمة في صفوف جيش النظام، جائزاً، فلم يترك النظام
فرصة للانقضاض على الشباب وإجبارهم على حمل السلاح إلى جانب أبناء طائفته والشبيحة
والميليشيات الطائفية من العراق ولبنان وإيران. ولأن النظام وصل إلى أقصى درجات الاستنزاف
المادي والعسكري واللوجستي، بما فيه استنزاف مقاتليه، فإن من البديهيات أن يلجأ النظام
اليوم إلى الورقة الأخيرة في محاولات الحفاظ على موقعه وأماكن سيطرته، وهي ورقة التعبئة
العامة التي قوننها بمرسوم تشريعي عام 2011، حمل رقم 104، والذي عرّف التعبئة
بأنها تحويل البلاد بشكل عام، والقوات المسلحة بشكل خاص، من زمن السلم إلى زمن الحرب،
استعداداً للدفاع عن سيادة الوطن ومواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، بما فيها الكوارث
الطبيعية وغير الطبيعية، مع وضع جميع موارد البلاد البشرية والمادية في خدمة المجهود
الحربي، وفقاً لمقتضيات مصلحة البلاد.

وبالتالي يحاول النظام من خلال تطبيقه التعبئة العامة، شراء الوقت، بعد تململ
داخلي من طائفته العلوية
بسبب تزايد أعداد قتلاهم
وجرحاهم في حرب لا هدفها مقنع ولا استراتجيتها رابحة. ومن هنا، يحاول النظام أن يتدارك
هذا المأزق بتغيير نوع مهمته في سورية، وتحويلها إلى محاولة الحفاظ على الوضع الراهن
والإبقاء على حدود سيطرته بما تتوافق مع الخطة ب من استراتيجيته، والقاضية بالانسحاب
إلى الدويلة العلوية في الساحل السوري في حال اقتضت الضرورة إلى ذلك.

بدأ النظام يُحمّل من بقي من الشباب السوري ذنب حربه غير المنتهية
على شعبه، كما بدأ بتصنيفهم إلى جماعتين اثنتين: إما شبّيح معي أو إرهابي ضدي.

فالنظام بدأ يُحمّل من بقي من الشباب السوري ذنب حربه غير المنتهية على شعبه،
وبدأ بتعبئة عامة سريّة للشباب، وأوصل الشباب إلى فكرة إما شبّيح معي أو إرهابي ضدي،
وما دون ذلك فليهاجر، فلا مكان له في “سورية الأسد”. لذلك يمكن القول أن
عملية التعبئة التي بدأ النظام بتطبيقها في الفترة الأخيرة، سيرافقها موجة لجوء كبيرة
في الأيام القادمة، إلى جانب ارتفاع قيمة الرشاوي على المعابر للسماح للشباب بالخروج.
لذلك يمكن تصنيف تصرف النظام الأخير بالمحاولة الأخيرة للحفاظ على ما تبقى من
نظامه المتآكل، بعد أن فقد الكثير من جنوده وشبيحته بسبب القتل والفرار والانشقاق،
وربما هو السبب الرئيسي الذي دفعه في مرحلة من مراحل حربه على الشعب السوري إلى لاستعانة
بمجندات من النساء لسد نقص العناصر البشرية في صفوفه.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *