الرئيسية / رأي / أوطان ملعونة 2

أوطان ملعونة 2

ثائر الزعزوع

انتقلت جارتنا رحمها الله، من بيتها الذي كانت تسكنه لأكثر من خمسين سنة،
إلى بيت جديد لا يبعد عن بيتها القديم سوى مئات الأمتار. ومع هذا فإنها قالت
للجارات اللواتي رحن يباركن لها بالبيت الجديد: “الوطن غالي”، ووصفت إحدى
الجارات حالتها بالمحزنة.

هذه القصة ومئات بل آلاف القصص، تكررت كثيراً خلال السنوات الماضية، وقد
وجد الكثيرون أنفسهم مجبرين على تغيير أوطانهم سواء الصغيرة أم الكبيرة، وشكلت تلك
الحالة إعادة إنتاج لهوية جديدة ومختلفة عن الهوية السابقة، لكنها بكل تأكيد لن
تستطيع انتزاع الانتماء الأساسي الذي هو سوريا في حالتنا، وهو غيرها في حالة سوانا.
وإذا كانت شعبياً تميل إلى هذه البساطة، كما في حالة جارتنا، فإنها ثقافياً تبدو
جارفة ومرهقة إلى أبعد الحدود. حدثتني سيدة فرنسية من أصول بلغارية تعيش في فرنسا
منذ عشرات السنوات، وهي تقوم بتدريس اللغة الفرنسية حتى للفرنسيين أنفسهم، بأنها
لم تشعر في يوم من الأيام بأنها قد صارت فرنسية، وهي تحتفظ بذلك الشعور الخاص
بكونها بلغارية، وتسافر بين فترة وأخرى إلى مدينة طفولتها في بلغاريا لتزور قبور
أجدادها. لكن ما قالته لاحقاً شكل لدي أنا شخصياً خوفاً مبطناً لم أستطع البوح به
وقتها، فهي قالت إن المشكلة تكمن في أنها تشعر بأن اغترابها في فرنسا، هو نفسه
اغترابها في بلغاريا، هي تائهة بين انتماءين، بين وطنين، بين هويتين…

وقد عايشت كما عايش غيري، حالة الفلسطينيين السوريين. تلك الحالة التي لم
نكن نفهمها، بحساسيتها المفرطة، وخصوصيتها العميقة، إذ أن الفلسطيني كان يولد في
بلد قد ولد فيه أبوه وأمه وربما جده، ومع هذا فهو يظل فلسطينياً، ولا يستطيع، حتى
وإن أراد ذلك، أن يصبح سورياً، لا بسبب رفض المجتمع السوري لاحتواء الفلسطينيين
داخله، إنما لأن الطبيعة تنص على ذلك، ولكن حقاً ما طبيعة الوطن؟ وإلى أي مدى
تستطيع مقالة صحفية أن تستوعب هذه الإشكالية وهذا السؤال الوجودي العميق؟

خلال هجمات باريس الأخيرة، تواردت أسماء الفاعلين، ليتبين فيما بعد بأنهم
جميعاً، تقريباً، من أبناء فرنسا أو بلجيكا الذين ولدوا على أراضيها، ويتمتعون
بجنسيتها بطبيعة الحال، وقد ذهبوا إلى مدارسها، وعاشوا حياتهم لا كفرنسيين أو
كبلجيكيين، ولكن كفرنسيين من أصول مغربية أو جزائرية أو أي شيء آخر دون تحديد. وقد
كان السؤال الأول الذي وجهته الحكومة الفرنسية إلى نفسها دون أن تعلنه للرأي العام
ربما، هو هل كان هؤلاء حقاً مواطنين فرنسيين؟ وكيف يمكن أن يكتسب شخص ما صفة مواطن
ينتمي إلى بلد ما، لا انتماء جنسية وهوية فقط، ولكن انتماء يجعله -رغم أني لا أحب
هذه العبارة كثيراً- يضحي بحياته لأجل وطنه؟ ما هي التفاصيل التي ينبغي توافرها كي
يكون انتماؤك كاملاً وغير منقوص؟ أي أن تكون سورياً بشكل قطعي، مهما تكن ميولك
وآمالك وأحلامك، حتى وإن كنت عميلاً لإسرائيل أو إيران؟

حين ترشح الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما للرئاسة، برزت على الفور
هويته، فقيل إنه من أصول كينية، ويمكن في مجتمع حديث العهد مثل المجتمع الأميركي
أن يتحدث الكثير من أبنائه عن هويتهم الأولى فهم جميعاً مهاجرون شكلوا مجتمعاً
خليطاً يدعى المجتمع الأميركي، وصارت الولايات المتحدة وطناً لكل هذا الخليط الذي
يعود إلى أوطان أخرى. والحقيقة أن لا أحد من الأميركيين يقول إنه أميركي وفقط، كما
أن الكثير من السوريين يسرد وبكل سهولة شجرة عائلة تقوده إلى اليمن أو إلى العراق،
أو إلى الشيشان، أو إلى أماكن مختلفة من العالم، لكن المصب النهائي الذي شكّل
وطناً جديداً لكل أولئك المهاجرين، أقصد سوريا، جعل الانتماء إليه أولاً. وقد
تكتسب بعض الأجيال القادمة انتماءات جديدة، لكنها بكل تأكيد ستظل، شاءت أم أبت،
مرتبطة بوطنها الأول، هويتها الأولى.

وقد تساهم قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية في تعلق البعض بالأوطان
الجديدة، وقد تساهم في انسلاخهم مؤقتاً عن أوطانهم البدائية المتخلفة التي لم تصل
بعد إلى تلك القيم العليا، إلا أن كل ذلك لن يجعلهم يصبحون شيئاً آخر، ستظل الهوية
ملتصقة بهم، مثل ملامحهم.

والآن، لماذا طرح كل هذه الأسئلة في هذا الوقت بالذات؟

بكل بساطة لأن سوريا قد تكون مقبلة على مرحلة انتقالية حساسة، وستخضع
كافة المعايير فيها لإعادة تعريف، بل وربما إعادة إنتاج، بناء على المتغيرات التي حدثت
والتي ستحدث. وإذا كنا كتبنا بأننا نحلم بوطن للجميع، فإن هذا يعني للجميع دون
استثناء، ودون تمييز، وإلا فسيكون شيئاً آخر غير الوطن، وسنعود لنصنع الخلل من
جديد.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *