الرئيسية / تحقيقات / الجزيرة السورية ميزة التنوع العرقي سلاح ذو حدين

الجزيرة السورية ميزة التنوع العرقي سلاح ذو حدين

يعتبر التنوع العرقي من أكثر السمات التي تميز الشمال السوري.
هذا التنوع الذي طالما شكل حالة إثراء ثقافي ونموذج تعايش مشترك عبر تاريخ المنطقة
الطويل. وهذا ما يستطيع أي انسان مشاهدته بشكل عملي في عدة مدن في المنطقة، فنسبة
كبيرة من المواطنين هناك يتقنون العربية والكردية والتركية، بغض النظر عن أصلهم
الحقيقي، فأواصر القربة والمصاهرة منتشرة بشكل واسع في معظم المناطق، ومن الطبيعي
أن تجد الأب والأم من قوميتين مختلفتين، خاصة في غياب حاجز الدين والمذهب، فالغالبية
العظمى هناك من المسلمين سنة.

فراس محمد

مع انهيار الدولة العثمانية وظهور دول جديدة تطرح المفهوم القومي بدل
الشكل القديم للدولة الذي يستمد شرعيته من السلطة الدينية، والذي ترافق أيضا مع ظهور
تيارات وأحزاب سياسية تنادي بالقومية، بدأت ملامح التمايز والتفرقة تضرب في جذور هذا
المجتمع الذي ظل متماسكا لقرون طويلة.

ومع اندلاع الثورة السورية وخروج مناطق الشمال السوري عن سيطرة النظام
بشكل شبه كامل، بدأ يتكشف حجم الدمار الهائل الذي خلفه حكم حزب البعث وأل الأسد خلال
الخمسين سنة الماضية في بنية المجتمع السوري، والهوية الوطنية السورية، والذي تجلى
في أبشع صوره من خلال انقسام المجتمع على أساس عرقي، وما تلاه من حملات تهجير مست
مختلف مكونات الشمال السوري بلا استثناء.

المكونات العرقية للجزيرة السورية

العرب:

يقول الصحفي نزار محمد أن “الحقائق والأرقام تعكس أن العرب يشكلون
نسبة كبيرة من السكان، خاصة إذا أخذنا بالحسبان الانتماء العربي لمجموعات كثيرة قد
تكون من أصل غير عربي، فمعظم سكان محافظة إدلب وريف حلب الشمالي وتل أبيض، ونسبة
كبيرة من رأس العين وجنوب محافظة الحسكة، هم في غالبيتهم عرب. أضف إلى ذلك قرى وتجمعات
كثيرة ضمن المناطق التي تعتبر مناطق كردية أو تركمانية. فمثلا، هناك العديد من
القرى العربية في منطقة عفرين التي تعتبر منطقة كردية، وذلك ينطبق أيضاً على
المناطق التركمانية بمحيط قرى الراعي وغربي جرابلس، أما في عين العرب
“كوباني” فالعرب يشكلون ثلث سكان المنطقة؛ الجزء الغربي والجنوبي الغربي
من عين العرب، المحاذي لنهر الفرات وذو الكثافة السكانية العالية، هو منطقة عربية
بشكل شبه كامل، ويقدر عدد سكانها بين 60-70 ألف نسمة. وهو ما ينطبق على شمال
محافظة الحسكة ذي الغالبية الكردية، فالقرى العربية تنشر بشكل كبير، وخاصة قبائل
عنزة وشمر وطي”.

تبلغ نسبة القرى العربية في الحسكة 67.62% من إجمالي القرى،
وقد تم توثيق 1161 قرية عربية من أصل 1717 قرية في المحافظة.

وفي دراسة أعدها التجمع الوطني للشباب العربي، ونشرت في مركز الشرق
العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، عن محافظة الحسكة، تم توثيق عدد القرى
العربية بـ 1161 من أصل 1717 قرية في المحافظة، أي بنسبة 67.62% من إجمالي القرى.

الأكراد:

يتركز تواجد الأكراد في شمال سورية في محافظتي الحسكة وحلب، حيث ينتشر الأكراد
في معظم مناطق القامشلي والمالكية ورأس العين والنواحي التابعة لمدينة الحسكة. بينما
يتركز تواجد الأكراد في حلب في منطقتي عين العرب وعفرين، وحيي الشيخ مقصود
والأشرفية في مدينة حلب، بالإضافة لبعض القرى المتفرقة في مناطق أعزاز وجرابلس
والباب والسفيرة. ولا توجد أرقام دقيقة وحيادية لعدد الأكراد في سورية، لكن الصحفي
مصطفى عبدي يقول أن “العدد يتراوح بين 4-5 مليون، موزعين في ثلاث مناطق، هي عفرين
وعين العرب والجزيرة، وهناك تجمعات رئيسية لهم في دمشق وحلب وحماة وغيرها من المحافظات
السورية”.

يتراوح عدد أكراد سوريا بين 4-5 مليون، موزعين في ثلاث مناطق، هي
عفرين وعين العرب والجزيرة، وهناك تجمعات رئيسية أخرى.

أما حزب الاتحاد الديمقراطي فيعتبر المناطق الممتدة من الحدود العراقية
شرقا وحتى البحر المتوسط، مناطق ذات غالبية كردية، كما يعتبرها جزءاً أراضي غربي
كردستان، الذي يطلق عليه أسم روج افا.

التركمان:

يتركز تواجد التركمان في حلب في المنطقة الممتدة من مدينة جرابلس وحتى
مدينة اعزاز، مرورا بناحية الراعي، بالإضافة لأحياء الهلك وبستان الباشا والحيدرية
في مدينة حلب. كما يتواجد التركمان بشكل متفرق في كل من مناطق منبج والسفيرة، حيث
يؤكد رئيس مجلس تركمان سورية، عبد الرحمن مصطفى، بأن “عدد القرى التركمانية
بحلب هو 142 قرية موثقة بالاسم”، ويقدر إجمالي عدد التركمان في هذه القرى بـ
450-500 ألف نسمة. كما يؤكد المصطفى بأن “عدد القرى التركمانية بتل أبيض 20
قرية، إضافة إلى 70 قرية في جبل التركمان بشمال اللاذقية”.

مكونات أخرى:

بالإضافة لهذه المكونات الأساسية، هناك أقليات أخرى كالأرمن والشركس والآشوريين
والسريان، لكن بأعداد قليلة.

التداخل العرقي وقضية إسكان العشائر

لا يمكن فهم هذا التداخل الكبير في المنطقة بين كل تلك المكونات دون
الرجوع إلى مسألة إسكان العشائر، والتي انتهجتها السلطنة العثمانية في القرن
السابع عشر لتوطين العشائر التي تعتمد على حياة البداوة.

في دراسة عن نظام إسكان العشائر في الدولة العثمانية، يشرح الباحث
الدكتور علي بن الحسين البسام، اعتماد الدولة العثمانية على سياسة توطين العشائر
البدوية المثيرة للمشكلات الأمنية في أراضي الأناضول البور، وإسكانها في جنوب الأناضول
وبلاد الشام، وذلك للحيلولة دون انضمام هذه العشائر إلى عصابات التمرد وقطاع الطرق.

سياسة الإسكان تم تطبيقها على العشائر العربية والكردية
والتركمانية على حد سواء.

وقد أكد الباحث في دراسته أن “سياسة الإسكان تم تطبيقها على العشائر
العربية والكردية والتركمانية على حد سواء”، وضرب مثالا عن هذه العشائر عشيرة
الملية، حيث قال إنها “عبارة عن خليط غريب من الأكراد والتركمان والعرب،
لكنها اندمجت مع الأكراد واستكردت فيما بعد. وقد أمرت الدولة العثمانية بنقلها قسرا
من مناطق نفوذها في ديار بكر، إلى ولاية الرقة، بسبب إثارتها الفوضى وقطع الطرق
والقيام بعمليات السلب والنهب”.

في حين يؤكد فاروق مصطفى في كتابه “إسكان العشائر في عهد السلطنة
العثمانية”، المترجم من التركية، أن “أغلب الإسكان الذي تم شمال سورية وغربها
كان من داخل سورية، فمعظم عشائر التركمان نقلت من أماكن ومواقع سورية أخرى، أي أن العشائر
التركمانية سورية قديمة يسبق وجودها دخول العثمانيين إلى سورية بمئات السنين،
ويرجع تاريخها إلى بدايات القرن الثالث عشر، ولم تأت مع العثمانيين في القرن السادس
عشر، ولم يأت بها العثمانيون من الأناضول كما يظن البعض خطأ. هناك بعض العشائر التركمانية
التي أتى بها العثمانيون، لكن أغلب أفراد هذه العشائر هرب أيام الحكم العثماني وعاد
إلى حيث أتى. فتركمان حلب وتركمان “يني ال” كانوا يخرجون للرعي صيفا،
بينما كانوا يقضون الشتاء متنقلين في أنحاء بلاد الشام”.

ولذلك يرجع سبب تداخل هذه القوميات بشكل كبير إلى السمة العشائرية
المتنقلة، هي السمة الغالبة لمختلف مكونات هذه المنطقة. وليس دقيقا ما يشاع بأن
حياة البداوة والانتماء العشائري هي صفة خاصة بالعرب، بل على العكس من ذلك، لايزال
الطابع القبلي والعشائري هو أحد أهم مكونات الشخصية الكردية والتركمانية حتى الآن.

الشيوخي: لا يمكن لأي مكون في هذه المنطقة الادعاء بأنه عنصر
أصيل وبأن باقي المكونات دخلاء.

وفي هذا الخصوص، يقول أبو سليمان الشيوخي، أحد الناشطين من أبناء ناحية
الشيوخ ذات الغالبية العربية والتابعة إداريا لمنطقة عين العرب: “لا يمكن لأي
مكون في هذه المنطقة الادعاء بأنه عنصر أصيل وبأن باقي المكونات دخلاء. فالطبيعة
القبلية العشائرية التي تعتمد على حياة الحل والترحال كانت إلى وقت قريب، هي السمة
العامة في المنطقة. وأكبر دليل على ذلك أسم مدينة عين العرب المشتق من التسمية
التركية عرب بينار، والتي تعني عين العرب أو نبع العرب. ولازال هناك حي في عين
العرب يحمل اسم كانيه عربان، وتعني بالكردية عين العرب، وهو ما يدحض كل ادعاءات
بعض الجهات الكردية بأن هذه المناطق هي مناطق كردية صرفة. فالمنطقة لم تشهد الانتقال
من حياة البداوة إلى حياة الاستقرار والزراعة إلا في نهايات القرن التاسع عشر
وبداية القرن العشرين. وهذا الكلام ينسحب على القبائل التركمانية كذلك، والتي كانت
إلى وقت ليس ببعيد، عبارة عن قبائل تعتمد حياة الحل والترحال، وكان تواجدها
الرئيسي في محافظة الرقة قبل أن تنتقل لشمال حلب، وهذا ما يفسر وجود أقلية
تركمانية في منطقة تل أبيض ممن رفضوا الهجرة باتجاه ريف حلب”.

اتهامات متبادلة بارتكاب تطهير عرقي

تسيطر الأن وحدات حماية الشعب الكردية، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي
الكردي، على كامل المنطقة الممتدة من الحدود العراقية السورية شمال محافظة الحسكة،
وحتى غرب منطقة عين العرب شرقي نهر الفرات، مرورا بمناطق رأس العين وتل أبيض،
بالإضافة لمنطقة عفرين وحي الشيخ مقصود في محافظة حلب. وتتهم العديد من المنظمات
والجهات السياسية العربية والتركمانية وحدات حماية الشعب الكردية بارتكاب حملات
تطهير عرقي بحق المكونات العربية والتركمانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

صدر أكثر من 480 تقريرا وبيان إدانة بالتهجير العرقي، تجاه قوات
الحماية الكردية، من عدة منظمات دولية ومحلية.

يؤكد مهند الكاطع، أحد الناشطين الحقوقيين السوريين، أن “عمليات التهجير
وحرق المنازل وتجريف القرى هي عمليات مستمرة، قامت وتقوم بها القوات الكردية، ولم
تتوقف حتى الآن. بدأت هذه العمليات في نيسان 2013، في بلدة تل تمر في ريف الحسكة، ثم
استمرت بحرق وتجريف المنازل في ريف رأس العين ( قرية الأغيبش)، ثم ناحية تل براك،
التي تم ارتكاب مجزرة فيها، ثم في ريف تل حميس ومنطقة جنوب وادي الردّ، ثم ريف القامشلي
الذي ارتكبت فيه مجزرة في ثلاث قرى بيوم واحد بتاريخ 13 ايلول 2014، وراح ضحيتها
35 مدنياً، بينهم أم وأطفالها الستة. ناهيك عن مجازر حي غويران في الحسكة، ومجزرة عامودا،
وأخرى في عفرين. وهناك أكثر من 480 تقريرا وبيان إدانة صدر تجاه قوات الحماية الكردية
من عدة منظمات دولية ومحلية، كمنظمة العفو الدولية التي وصفت تلك الجرائم بجرائم حرب،
وهيومن رايتس ووتش، واتهام على لسان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، وتقرير نشرته
صحيفة تايمز البريطانية عن تهجير العرب من تل أبيض، إضافة إلى أكثر من 49 تقريرا صادرا
عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وتقارير عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، والشبكة
الآشورية لحقوق الإنسان”.

من جهته، وفي رده على هذه الاتهامات، يقول الصحفي السوري مصطفى عبدي، أنه
“عند العودة إلى تلك التقارير ودراستها (ابتداء من التقرير الذي نشرته صحيفة التايمز)،
يظهر أن هناك حملة تشويه ممنهجة تقف وراءها جهات محددة تعمد إلى تشويه انتصارات الكرد
وضرب إنجازاتهم والتشويش الإعلامي عليها. وهو ما يجعلنا نتساءل: هل يمكن استعمال مصطلح
«التطهير العرقي» بمجرد الاعتماد على شهادات غير موثقة؟ تتجاهل تلك التقارير بأن وحدات
الحماية ليست بمفردها في قيادة معارك التحرير، وإنما توجد معها فصائل متعددة من الجيش
الحر، ومنها “لواء ثوار الرقة، لواء التحرير، جبهة الثوار، الصناديد”، وهم
فصائل مسلحة عربية شاركت في كل المعارك، وتشارك أيضا في إدارة المناطق المحررة. ومن
المؤكد أنها أيضا تتحمل تبعات أي انتهاك إن وجد. فيما نجد أن التقارير تخلو من ذلك،
بل وتعمد إلى تصغير دور وحجم تلك القوات”.

مستقبل المنطقة وأفق التعايش

الصحفي عبد العزيز خليفة، عضو اتحاد شباب
الحسكة، وفي حديث لـ”صدى الشام”، يقول أن “الصراع في الشمال السوري
ليس عرقيا أبدا، بل هو صراع بين مكونات سياسية استغل بعض أطرافها العرق بهدف تسويق
مشاريعه. فالأكراد تم تفريغ أغلب مناطقهم من الشباب بسبب الاعتقال السياسي
والتجنيد الإجباري، في حين كان العرب أكثر المتضررين، فأغلب مناطقهم إما خاضعة
لسيطرة داعش أو لسيطرة الوحدات الكردية”.

عبد العزيز خليفة: لن يكون هناك
مخرج من أزمة الثقة بين كل مكونات الشمال السوري إلا بوجود مشروع وطني شامل يضمن
حقوق الجميع ويحاسب المدانين.

ويؤكد خليفة بأنه “لن يكون هناك مخرج
من أزمة الثقة بين كل مكونات الشمال السوري في ظل غياب المشروع الوطني الشامل،
الذي يضمن حقوق كل مكونات الشعب السوري، ويحاسب كل المجرمين المدانين بعمليات
تهجير قسري من كل الأطراف”. مؤكدا في الوقت ذاته أن “أي نصر عسكري لأي
طرف كان سيكون نصرا مؤقتا، لأنه ببساطة قد تستطيع أن تفرض سيطرتك على منطقة ما
بقوة السلاح لكنك لن تستطيع أن تحمي نفسك وجنودك من ردة فعل الناس المطالبة بحقها
بالعودة إلى بيوتها وقراها”.

في حين يؤكد الصحفي مصطفى عبدي على أن “الشمال
وكل المناطق الكردية، هي جزء من الوطن السوري، وحتى “الإدارة الذاتية” المعلنة
فيها من قبل حزب
pyd تؤكد دائما بأنها لا تسعى لتقسيم المنطقة، وإنما
لسوريا ديمقراطية حرة”.

وأمام هذا المشهد القاتم في الشمال
السوري، ومشاريع التقسيم المطروحة، يبقى الثابت الوحيد هو حتمية التعايش بين كل
المكونات، وذلك لسبب بسيط وهو عدم قدرة أي طرف من الأطراف على إلغاء وجود الطرف
الأخر. وأي بديل لفكرة التعايش سيكون ثمنه مزيدا من الدم والتشرد لأبناء المنطقة،
وسيكون الرابح الوحيد هو نظام الأسد الذي يتحين الفرص لإعادة فرض هيمنته،
واستعباده لأبناء المنطقة بالحديد والنار.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *