الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / خيارات الطاقة التركية بعد التدخل الروسي في سوريا

خيارات الطاقة التركية بعد التدخل الروسي في سوريا

أحمد العربي

صدر قانون تحرير أسعار الغاز الطبيعي في السوق التركية سنة 2001، قبيل مجيء
حزب العدالة والتنمية للسلطة، خطوة ليبرالية حملت في طياتها إقراراً بعجز الحكومات
المتعاقبة عن إيجاد التوازن المطلوب، بين طلب متزايد من الأتراك للتدفئة ولتغذية محطات
الكهرباء التي تستهلك وحدها نصف واردات البلاد من الغاز، من جهة، ومن جهة أخرى تقلب
مصادر التموين الخارجية والتهاب الأسعار التي كانت في الغالب مرتبطة بسعر النفط نفسه.
وإلى اليوم، لا زالت فاتورة الغاز تشكل هاجساً للمواطن التركي في نفقاته الطاقوية،
في بلد يستورد بالكامل حاجياته الضخمة من الغاز.

وزاد التحدي مع التزام الحكومة برفع ربط المنازل بغاز المدن إلى أقاصي الدولة،
خلال موجات البرد التي تجتاح معظم البلاد لعدة أشهر من السنة، وضمان تدفق الكهرباء
بدون انقطاع ليواكب النمو السريع للاقتصاد والعمران.

ما من شك اليوم أن تحسن الدخل الفردي للمواطن التركي والاستثمارات الكبيرة
في مد وربط شبكات استهلاك الطاقة، ساهم إلى حد كبير في تحقيق جزء من التوازن المفقود،
إلا أن التحولات الاستراتيجية التي تخيم على المنطقة كلها، بسبب الحروب الساخنة والباردة
الجديدة، والتي توجد تركيا في قلبها، تضع من جديد وضع البلد كلها على محك إيجاد مصادر
خارجية آمنة وكافية وبأسعار مقبولة للتزود بالغاز، وتلك لا شك إحدى المعارك الوجودية
الكبرى لتركيا الحديثة. ويكفي القول أن تركيا التي تستورد سنويا أكثر من 52 مليار متر
مكعب من الغاز، يأتي نحو 60 بالمائة منها من روسيا وحدها، وإذا أضفنا الغاز الإيراني،
يرتفع ذلك إلى 80 بالمائة، وهي حالة عالية جداً من الارتهان الطاقوي، في الوقت الذي
تمر علاقة تركيا بالبلدين بحالة فتور تميل للتوتر على خلفية الموقف من الأزمة السورية.
وتزيد حساسية الموقف مع اقتراب نهاية اتفاقيات توريد غاز البلدين لتركيا بعد سبع سنوات،
ما يتطلب مفاوضات جديدة وعسيرة على مستوى الحجم والمدة والسعر.

عندما قطعت روسيا قبل سنوات، إمدادات الغاز لأوروبا خلال أزمتها مع أوكرانيا
كانت تركيا من بين المتضررين، لكن بقدر ما تحتاج تركيا حالياً للغاز الروسي والإيراني،
بقدر حاجتهما الحيوية لأراضيها لمد أنابيب صادراتهما الغازية للسوق الأوروبية مستقبلاً.

“روسيا ستخسر الكثير إذا خسرت صداقة تركيا”، جملة كررها أكثر من
مرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان معلقا على التدخل العسكري الروسي في سوريا، وزاد
وزير الطاقة التركي فقال إن تركيا بإمكانها البحث عن أطراف أخرى غير الروس لشراء حاجتها
من الغاز. على الفور دخل الإيرانيون على الخط وقالوا أنهم مستعدون لتلبية أي طلب تركي
على غازهم، وكأني بالأتراك نظروا للعرض ولسان حالهم يقول هل نهرب من السجن لنجد أنفسنا
أمام بابه؟ فقبل ذلك بنحو عام رمت الحكومة التركية بكل ثقلها لإتمام إنجاز أنبوب الغاز
الجديد الذي يربطها بأذربيجان، وطلبت من الجزائر رفع ما تصدره لها من الغاز المسال
بقدر ما يمكنها ذلك، ومددت لعشر سنوات أخرى اتفاقية معها بهذا الشأن، في الوقت الذي
يوجد البلدان ضمن خطة تحرك غير مسبوقة تعتزم أوروبا إطلاقها مطلع العام القادم لاعتماد
استراتيجية جديدة للأمن الطاقوي الأوروبي، تأمل القارة العجوز أن تعتقها من البقاء
تحت رحمة الغاز الروسي المخلوط بتقلبات السياسة والأمن..

بقدر ما تحتاج تركيا حالياً للغاز الروسي والإيراني، بقدر حاجتهما
الحيوية لأراضيها لمد أنابيب صادراتهما الغازية للسوق الأوروبية مستقبلاً

أفضت الاتصالات التركية الجزائرية العام الماضي، إلى رفع وارداتها من الغاز
الجزائري المسال لتصبح 6 مليار متر مكعب كل سنة، واشترت منها على فترات، شحنات خاصة
خارج الاتفاق على طريقة الدفعة الواحدة، بلغت في سنة 2.5 مليار متر مكعب، لكن ذلك يبدو
كقطعة صغيرة مما تحتاجه تركيا من الغاز، فمن المتوقع أن تقفز احتياجات تركيا صاروخيا
إلى 81 مليار متر مكعب في أفق 2030.

يستمر الاتفاق التركي الجزائري إلى عشر سنوات أخرى، بسعر غير معلن وصفه الطرفان
حينها بـ “رابح رابح”، وقال وزير الطاقة التركي حينها إنه ناقش مع نظيره
الجزائري توسيع التعاون الثنائي في ميادين الاستكشاف والبتروكيمياء والسماد والطاقات
المتجددة، وقالت الحكومة التركية أكثر من مرة، أن طلبياتها من الغاز الجزائري المسال
مفتوحة وتتعلق فقط بقدرة الجزائريين أنفسهم الإنتاجية.

واضح أن الأتراك كما الأوروبيين تماماً، يغيرون وجهتهم إلى الغاز المسال القادم
في ناقلات من بعيد، حتى لو كان سعره أعلى من غاز الأنابيب الطبيعي الموصول بآبار الدول
المصدرة مباشرة، في هدف واضح لتنويع مصادر الطاقة وعدم الارتهان لأحد، وبالأساس للروس.
فالغاز، هذه المادة الصعبة والمكلفة النقل، تتطلب وجود زبون مضمون ووسائل نقل وتخزين
خاصة، لكن تبريده في درجات دنيا يحوله إلى مادة سائلة مضغوطة بحجم أقل 600 مرة من حجمها
الغازي، ويسهل نقله في ناقلات عملاقة عبر البحر، بعضها الآن يصل طولها إلى 345 مترا
وعلوها إلى عشر طوابق، وبإمكانها أن تنقل مرة واحدة ربع مليار متر مكعب، ما يمثل عمليا
حوالي نصف الصادرات الجزائرية إلى أوروبا شهريا عبر أنبوب الغاز الشرقي الموصول بإيطاليا،
وفي مرحلة أولى تريد تركيا أن تخزن من الغاز المميع السائل 15 بالمائة من حاجاتها السنوية.

لكن كلمة “بحسب قدرة الجزائريين أنفسهم على تلبية الطلب”، التي
قالها وزير الطاقة التركي، تشير أيضا إلى حالة الضعف الذي وصلت إليه منظومة إنتاج الغاز
الجزائري، الموروثة في معظمها من السبعينات.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *