ما تزال محاولات البحث عن حلول ولو جزئية، لمشكلة النازحين
وسكان المخيمات ذات الشروط الإنسانية السيئة على الحدود السورية التركية، مستمرة.
لكن فكرة القرى الطينية المبتكرة والمنفذة حديثا في ريفي حلب واللاذقية تعد من
أبسط الأفكار وأنجحها، فهي تمتاز ببساطة التكاليف وسرعة الإنشاء، إصافة إلى تميزها
بالأمان والدفء.
كمال السروجي – إدلب
يهدف مشروع القرية الطينية إلى تأمين سكن يليق بكرامة الإنسان ويحفظ
خصوصيته، بغية استقبال اللاجئين وإيوائهم من برد الشتاء وانتشالهم من المخيم
القماشية. وينتظر النازحون وسكان المخيمات افتتاح القرية التي أنشئت مؤخراً في ريف
إدلب، متأملين أن تنهي هذه القرية معاناة نزوحهم.
صُمم المشروع ليستقبل 2000 عائلة، ضمن 100 شقة سكنية، تتضمن كل منها غرفتين
وموزع وحمام. وأُقيم بدعم من الهلال الأحمر القطري وبتنفيذ مؤسسة بناء التنموية. يعمل
المشرفون على التنفيذ اليوم على إنهاء
التجهيزات الأخيرة لتصبح القرية جاهزة لاستقبال النازحين قبل اشتداد فصل الشتاء. ومن
المتوقع الانتهاء من كافة التجهيزات نهاية هذا الشهر، ليبدأ استقبال العائلات في
الشهر القادم.
وعلمت “صدى الشام” أن الهلال الأحمر القطري قدّم دراسة شاملة
للمشروع، بمساعدة مهندسين فرنسيين مختصين أكدوا نجاعة الفكرة وقلة تكاليفها مقارنة
مع تكاليف (الكرافانات) التي تقدر بـ 3500 دولار للكرافنة الواحدة. يقول محمد جابر،
وهو عامل بناء في المشروع: “أجرى
مهندسو مؤسسة بناء عدة تجارب على عينات طينية، لاختبار قدرة تحملها للضغط المرتفع
والعوامل الجوية والحت الذي يمكن أن يسببه المطر، ووصلوا إلى إمكانية صناعة بلوك
طيني مكون من نسبة كبيرة من الطين وبعض التبن”، وأضاف الجابر: “وضعنا (زريقة)
داخلية وخارجية من أجل إعطاء متانة أكبر للبناء ولإضفاء ناحية جمالية للبيوت”.
كما أكد أن “جميع المواد التي استخدمها المهندسون في بناء البيوت الطينية هي مواد
أولية من البيئة المجاورة لهم، كما استخدموا ألواحا خشبية من أجل سقف البيوت”.
من ناحية الخدمات، سيتم تزويد البيوت بمياه الشرب عن طريق شبكة عامة
موصولة على خزان كبير يتغذى من بئر حفر ضمن القرية. كما خُدّمت البيوت بشبكة صرف
صحي. ويعمل القائمون على المشروع لتأمين مولدة كهرباء كبيرة لتغذية كامل القرية
بالكهرباء عن طريق شبكة كهربائية عامة موصولة على المولدة.
ميزات
رغم بساطتها وقلة تكاليفها، فإن البيوت الطينية تمتاز بتصميمها الجيد
وقدرتها على حماية سكانها من برد الشتاء وحرّ الصيف. يقول أبو مصطفى (نازح):
“لقد سجلت على غرفة في القرية الطينية، ووعدت أن أنتقل إليها بمجرد أن تصبح
جاهزة. أريد فقط أن أستقر في غرفة لها جدران وسقف، لا يدخل إليها الماء حين هطول
المطر، لا أريد أن أظلّ في العراء حين تهب الرياح
كما حصل معنا في مخيم أطمه”.
تمتاز البيوت الطينية بتصميمها الجيد وقدرتها على حماية سكانها
من برد الشتاء وحرّ الصيف.
من الناحية الأمنية، يعد البيت الطيني أكثر أمناً، كونه لا
يحتوي على كتلة سكانية كبيرة، كما أن ركام مواد البناء الطينية لا يسبب التشظي
القاتل، لأنه لا يحوي على كتل إسمنتية أو حديد، وهو خفيف الوزن.
مطالبات بتوسيع المشروع
يقبل الكثير من سكان مخيمات النزوح الموجودة قرب الحدود التركية على
التسجيل في القرية الطينية لكي يحصلوا على بيوت فيها. وطالب بعض النازحين بتوسيع
القرية وإنشاء قرى أخرى في الريف الشمالي الشرقي لمحافظة إدلب. يقول أبو رائد
(نازح): “عدد بيوت القرية الطينية قليل، يوجد آلاف العائلات التي تقيم في
المخيمات، يجب على المسؤولين أن يعطوا الأولية لسكان المخيمات غير المخدمة، كمخيم أطمه
ومخيم صلاح الدين”.
علمت “صدى الشام” إن مؤسسة بناء تعمل من أجل توسيع مشروع السكن
البديل في إدلب، من أجل استيعاب عدد أكبر من السكان، وأنها تتطلع لبناء قرية طينية
أخرى، من أجل إيواء النازحين القادمين من ريف حلب. يقول سعد محمد، ناشط مدني، أن
“القرية الطينية التي أنشأها مجلس محافظة حلب الحرة لم تأوِ سوى عدد قليل من
النازحين”، ويضيف: “إنشاء قرية طينية أخرى في حلب، أو توسيع مشروع
المساكن الطينية في إدلب، سوف يحل جزءاً من أزمة النازحين من ريف حلب”.
تساهم القرى الطينية في حل جزء من أزمة النازحين، ولا تشكل
خطرا ديموغرافيا لسهولة إزالتها.
يذكر أن منظمة فسحة أمل قد انتهت من دراستها لتنفيذ مشروع قرية طينية في
ريف حلب، ومن المتوقع أن يبدأ التنفيذ خلال الشهر القادم.
وأشاد المهندس توفيق بيطار، المختص في علم الجيوتاكنيك، بفكرة إنشاء
المساكن الطينية، وقال إن “هذه الكتل الإنشائية رخيصة التكاليف، وتتميز
بسهولة وسرعة إنشائها، ويمكن أن يعتمد النازحون على أنفسهم في صنعها”. وأشار
المهندس بيطار إلى أن “هذه الكتل لن تصبح مستوطنات في المستقبل، ولن تغير من
طبيعة التوزع السكاني في البلاد، لأنها مساكن مؤقتة، وعملية إزالتها بسيطة كونها
لا تحتوي على إسمنت أو حديد”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث