اعتبر الدكتور أحمد برقاوي أن ظهور
تنظيم الدولة بمثابة الثورة المضادة، الناجمة عن حجم الكم المفرط من القمع الذي
مارسته السلطة، مشدداً على أن كلمة “مفكر” لا تطلق على المفكر المتصالح
مع الديكتاتور. وخلال اللقاء، وصف الدكتور برقاوي ما يجري من تحركات سياسية على
الصعيد الدولي بـ”اللخبطة السياسية”، مشترطاً قبل الحديث عن أي تسوية
سياسية اعترافا من السلطة السورية بهزيمة تاريخية.
حاوره- مصطفى محمد
– هل يضع
الدكتور أحمد ما يجري في سوريا من حراك، في إطار الثورات التي غيرت التاريخ، أم في
خانة الحرب الأهلية، أم هي انتفاضة؟
وفق علاقاته القديمة، بالتالي الثورة هي تغيير لهذا الواقع، كل حديث عن انتقال من
عالم قديم إلى عالم جديد هو ثورة.
الهدف؟ الهدف هو انتقال بسوريا القديمة إلى سوريا الجديدة للجميع، خارج أي نوع من
أنواع الاضطهاد، والتمايز الطائفي والاثني وما شابه ذلك، إلى سوريا حقوق
الديمقراطية وسوريا حقوق الإنسان، وما سبق يجعل من الذي يجري في سوريا ثورة.
الطبيعي بعد انفجار هذه الثورة في الحالة السورية “المستنقعية” ظهور
حالات سلبية كثيرة.
– إذا هي
ثورة، هل تراها مكتملة إذن؟
لا وجود لثورة مكتملة، توجد ثورة تنفجر فيها
ردود وعودة وتقدم ونكوس واختلاف وصراع، لنأت على “داعش”، هل هو جزء من
الثورة؟ الجواب لا، لكن داعش ثورة مضادة.
– لماذا
وصفت ظهور “التنظيم” بالثورة المضادة؟
لأنها ظاهرة منافية للأهداف العظيمة لسوريا
الديمقراطية العلمانية التي هي للجميع. داعش ظهرت في هذه الشروط، لكنها ليست جزءاً
من الثورة. بعبارة أخرى، كل ما ليس جزءاً من عملية تغيير العالم إلى ما هو أفضل
ليس من الثورة.
وبالتالي الثورة تكتمل عندما تحقق أهدافها،
وعندما يتحقق الهدف الأساسي لن يعود هنالك وجود للثورة. انتصار الثورة في زوالها،
وحينها يبدأ بناء جديد، وقد تولد صراعات جديدة.
– كمفكرين،
أين كان دوركم في توعية الفاعلين “الثوار” على الأرض أو الارتقاء بدورهم،
وفي ظل كل هذه المعمعة – إن صح التعبير- أين دور الفلسفة؟
المفكرون في الأساس متشعبون في الآراء والمواقف.
لكن من حيث المبدأ، كلمة “مفكر” هي تعبير فضفاض جداً. دعني أقول المفكر هو الذي يفكر بمصير الناس دون أن يكلفه
أحد، ودون أن تكون له مصلحة ذاتية تفسد عليه التفكير، ويكون منتمياً فعلاً إلى
هموم الناس، ومن الطبيعي أن يكون المفكر إلى جانب الأهداف الكبرى للبشر، ومن الصعب
أن يكون المفكر مفكراً ومعادياً للحرية في نفس الوقت، أو أن يكون مفكراً ومتصالحاً
مع الديكتاتور بنفس الوقت، وبالتالي الخطاب الذي يجب أن يقدمه المفكر (الفيلسوف،
الشاعر، الصحافي) يتمحور حول كيف يمنح الناس معرفة أولاً، وثقةً بالنفس ثانياً،
وآمالاً في المرحلة القادمة ثالثاً، ويقيناً بحتمية انتصارهم أخيراً. بالتالي، إذا
لم يحقق المفكر هذه الشروط في خطابه الفلسفي النظري الروائي الإعلامي، فهو ليس
مفكراً.
– ما هو
إذاً؟
أنا أسميته “الوطواط”، هذا الكائن
الذي لا يرى ويطير في الظلام، هو عاشق الظلام ويمد يده وعقله للحرية في الظلام
فيسقط الذباب على لسانه، فلا تكاد تميز بين الذباب والكلام. إحساس المثقف بالوجود،
يجب أن يكون متأففاً من كل ما يضر الإنسان، وبهذا المعنى المفكر هو الضمير الحي.
-عوداً على
شق سؤال سابق، ما هو دور الفلسفة من كل ما يجري؟
في ظل المعمعة الحالية، درس الفلسفة درس في غاية
الأهمية. من خلال كتاباتي، أحول الفلسفة إلى وعي نظري في التاريخ، بالتالي الفلسفة
تنأى بنفسها عن الصغائر والعابر، وتكشف عن الحركة العميقة العامة الحقيقية
للتاريخ، وبالتالي هي لا تكترث باللغو، بل تمد الناس بالفكرة بالحقيقة بقوة
التفكير، وتعلم القائمين على مصير الناس كيف يفكرون، لأن الفلسفة أن تفكر عوضاً عن
الذين لا يفكرون.
واسمح لي أن أقول: دون وعي فلسفي بحركة التاريخ
وحركة الواقع لا نستطيع أن نجيب عن أسئلة الواقع. فالفلسفة تكشف عن الأسئلة
الحقيقية المرمية في العالم، والتي لم تخطر على بال أحد، تكشف عنها ولا تختبرها،
تكشف عن حقيقة السؤال الزائف الذي يتردد على ألسنة أعداء الحياة، فتبرز بالتالي
الأجوبة الزائفة المرتبطة بالأسئلة الزائفة، وهنا دور الفلسفة.
– بالنظر
إلى الأجوبة الزائفة التي كان يقدمها النظام السوري، وغياب الاعتراف بالمواطن الذي
كانت تمارسه السلطة، هل يرى الدكتور أحمد أن الحراك السوري تأخر أم لم يتأخر؟
“طائر النيرفانا لا يطير إلا عند الغسق”، وكان يعني أن هناك لحظة من
التاريخ تنفجر، التراكمات كلها أدت إلى ما أدت إليه.
“المعارضة المعتدلة من أكثر
المصطلحات قبحاً وخبثاً، فعبر هذا المصطلح المضلل تصير الثورة تطرفاً والاعتدال
استسلاماً”
– بالعودة
إلى “التنظيم” والحركات الراديكالية التي ظهرت في الثورة، هل يراها
الدكتور أحمد طارئة على مجتمعنا السوري؟
لا، هذه الحركات سابقة للثورة، جميع الحركات الأصولية
موجودة في سوريا ومصر ولبنان والأردن. كانت تخوض صراعاً مع السلطة الحاكمة، والسلطة
الحاكمة بما لها من قوة مادية عنفية، كانت قادرة على الانتصار عليها.
أما وأن السلطة قد ضعفت، ولم تعد قادرة على أن
تقوم بالدور الذي قامت به سابقاً، فظهرت القوة الراديكالية على السطح، هذا كل الذي
جرى.
الناس تعتقد أن هذه القوى الاسلامية هي ثمرة
الثورة، هذا ليس صحيحاً، لأن الدولة التي كانت تقاوم هذه الحركات انهارت.
– هل ساهم الكم
المفرط من العنف الذي استخدمته السلطة، في تقوية الحركات الراديكالية؟
منها الله، خرج الله من فوهة البنادق”، بالمناسبة ليس كل من أخرج الله من
حنجرته هو أصولي.
تعبيرا عن الإيمان السوري. المؤمن يلجأ إلى الله دائما عند إصابته بمكروه، لكن الأنظمة
لم تتحمل الجموع.
الله. ولذلك يجب أن نميز بين من يموتون في سبيل الله، والذين يريدون أن يعيشوا في
سبيل الله، ومن هنا فالله مدافع عن الحياة.
– لننتقل
إلى موضوع مغاير، من يسمون أنفسهم “أصدقاء الشعب السوري”، هل هم أصدقاء
فعلاً، وأقصد هنا الدول الغربية؟
جميع الدول الغربية تفكر بمصلحتها أولاً، وآخر
ما تفكر به مصالح الشعب السوري، أمريكيا وفرنسا تفكر بمصالحها، لكن يجب أن تكون
الحركة الداخلية متحكمة بمصالحها، وليس العكس، كلمة “أصدقاء سوريا” ليست
دقيقة، الأصدقاء الحقيقيون هم الذين يساعدون الشعب في التخلص من عذاباته، لذلك أنا
أقول أن الحل وطني سوري وعربي بالمناسبة.
أحمد برقاوي:
إنْ السلطة استلت الحنجرة التي يخرج منها الله، خرج الله من فوهة البنادق
– إذاً لا
أصدقاء للشعب السوري من الدول الغربية؟
لا
– هذا عمن
يسمون أنفسهم أصدقاء، ماذا عن روسيا وماركسيتها، وتطلع شعوبها لدعم ثورات العالم،
أين كل ذلك اليوم؟
التاريخي، يعتقدون أن روسيا “بوتين” هي روسيا “السوفياتية”.
الاتحاد السوفياتي انهار، السوفييت كانوا يقاتلون “ايديولوجياً”، كان
قتالهم لنشر فكرة الحرية المجتمعية والاشتراكية، وكان العالم الثالث حينها حقل
سلوكهم، وهذا انتهى.
قوة وعقلية امبراطورية، وبلادهم تعاني من الجوع.
–
“الحرب والدين” في العام 2003، عند غزو العراق استحضر الرئيس الأمريكي
جورج بوش دور الكنيسة، وبوتين في 2015 استحضر دور الكنيسة أيضاً، لماذا هذا الربط؟
استحضار الكنيسة جاء لحشد الرأي العام، عبر
مخاطبة العامة بالتاريخ القتالي المسيحي (الحروب الصليبية).
– الغرب إذاً
لا يستطيع الانزياح عن تاريخه؟
الشيوعية ما كان يمكن أن تنتصر في روسيا، لولا أنها ذات طبيعة خلاصية. وبالتالي
“بوتين” المجرم عندما يخاطب الروس باستحضار دور الكنيسة يريد أن يقول
لهم: “أنا أتصرف كوريث شرعي للكنيسة المسيحية”.
الاتحاد السوفياتي فعل البابوية “الكاثوليكية” في الكنيسة “الارثوذكسية”.
– أبعد من
ذلك، تصرفاتهم الحالية تعود بنا إلى عقلية القرون الوسطى!
لا، إطلاقاً. هم لا يرسلون جيوشاً باسم الصليب،
هم يأخذون بعين الاعتبار رأي الشارع العام، الشعب الأمريكي شعب متدين في الغالب
والروسي كذلك.
– الشعب
السوري بشقيه الموالي والمعارض يؤمن بنظرية المؤامرة، هل يؤمن بها الدكتور أحمد
برقاوي؟
“مصالحنا فوق مصالحكم”. وإذا كنا نعتبر هذا الكلام مؤامرة فليكن ذلك.
–
“التسوية السياسية مستحيلة، في حال عدم اعتراف السلطة بهزيمتها
التاريخية”، الكلام نقلاً عنك، النظام السوري يبدو أنه غير مستعد للاعتراف،
بالتالي لا وجود لتسوية سياسية؟
والحرية، لا تستطيع أن تبني بلداً جديداً يجمع بين السلطة المستبدة والديمقراطية،
لا تستطيع أن تبني دولة على فكر قديم يريد أن يصبح جديداً.
كلمة سوريا تعني السيد، وسوريا دولة
الأسياد الأحرار الكرماء، ولذلك عبثاً تحاول أن تقيم حلاً توفيقياً تلفيقياً بين
الجريمة والحياة.
– ماذا عن
كل هذه التحركات الدولية إذا؟
لدي مفهوم استخدمه دائماً “اللغوطة
السياسية”، وهي غير ناجحة، الناس على الأرض تموت، وجراح الشعوب لا تندمل،
تبتسم حين تنتصر.
– أيضاً
نقل عنك “المعارضة المعتدلة من أكثر المصطلحات قبحاً وخبثاً، فعبر هذا
المصطلح المضلل تصير الثورة تطرفاً والاعتدال استسلاماً”، لو وضحت لنا هذا
الكلام السياسي المهم والجميل؟
لكي يضمنوا استمرار تحليقهم في اللامعنى، لو سألتهم ماذا يقصدون بها، فلن تجد إجابة
لديهم.
ومعارضة لها علاقة بالحكم، قد تتحول إلى الحكم في يوم ما.
الحالة السورية أكثر مأساوية من
الحالة الفلسطينية، لكن نهايتها ستكون إعادة إنتاج سوريا العقد الوطني.
– كونك ابن
نكبتين -إن صح التعبير هنا- النكبة الفلسطينية والنكبة السورية أيضاً، ما هي رؤيتك
للحل في سوريا، أم أن القضية السورية متجهة في ذات اتجاه القضية الفلسطينية؟
في فلسطين هنالك مجتمع شرد من وطنه وأقيمت دولة
على أنقاضه. الحالة السورية مع أنها حالة مأساوية أكثر من الحالة الفلسطينية،
لأنها تأتي في خانة ظلم ذوي القربة، لكن نهايتها ستكون إعادة إنتاج سوريا العقد
الوطني.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث