ميسون شقير
أمضي مع دمي
المهاجر، دمي النازح عن قلبي، دمي المقيم خارج جسدي، أمضي معه كأني امرأة أخرى
كانت تعد أيامها بعدد الأطفال الذين كانت تعلمهم هناك، في غرفة الصف، في تلك
المدرسة هناك، في تلك القرية القابعة على ارتفاع ألف متر فوق سطح القلب. لماذا وجه
ذلك الطفل الخجول لا يخجل الآن، ويبقى حاضرا معي أينما ذهبت، هل لأنني تحولت الآن
مثله طالبة في مدرسة؟ طالبة خجولة تجلس على مقعد تتعلم اللغة الغريبة في عمر كبير،
تتعلم، وتتلعثم، وتخطئ في اللفظ كأنها طف. ولأنها كانت دائما تخجل من أن تخطئ،
وكانت دائما تعاقب نفسها، فهي الآن تجلس في المقعد الخلفي صامتة دائما، خجولة،
كأنها أبدا لم تكن يوما تلك المعلمة القوية، وحتى القاسية أحيانا.
وجه معلمتي هنا حين
اندهشت بعلامات امتحاني الجيدة ذكرني بوجهي حين صححت ورقة ذلك الطفل الخجول، الآن أصبحت
أدرك تماما لماذا كان صامتا، وكيف يمكن أن يكون ذكيا بهذا القدر، وخجولا أيضا بهذا
القدر. حين كنت أعلمه، لم أكن كثيرا ما أتذكره حين أعود للبيت، ولكن حين جاءت
القذيفة إلى المدرسة كان اسمه هو أول اسم سألت عنه ولا أدري لماذا. ربما كنت أشفق
عليه كثيرا، ربما لشدة ذكاءه الذي فاجأني بورقة الامتحان، لا أدري، ولكن دون أن
أفكر سألت عنه أولا، وذعرت حين عرفت أنه مصاب بشظية كبيرة في رجله. ولكنني بعد
القذائف الكثيرة التي سقطت على حياتنا في تلك القرية، وبعد خروجنا منها، لم أعرف
عنه أي شيء أبدا.
في طريق نزوحنا
الطويل كنت أتألم كثيرا من قدمي بسبب طول فترة المشي، لكنني كنت أخجل أن أصرح
بألمي الشديد أمام تحمل الأطفال للطريق وصمتهم، ولا أدري كيف رافقتني صورته كل ذلك
الطريق، وكأنها أعانتني على السير.
في النزوح الثاني
حين ركبنا البحر، كنت أخاف كثيرا من الموج، وأخاف من الدخول لعمق البحر، لكني خجلت
أيضا أن أعترف من خوفي العميق، وأيضا سافرت معي صورته طوال المسافة في ذاك البحر
وحملت عني رعب الطريق. حين وصلنا هذا البلد الجميل الغريب البارد كنت كثيرا ما
أخجل من لوني الأسمر الغامق أمام بياضهم اللا محدود، ومن قامتي القصيرة أمام طولهم،
ومن عمري الذي كان يبدو مضاعفا على وجهي بعد كل هذا القهر أمام نظارتهم وجمالهم،
كنت أخجل من حزني الذي لا ينتهي، أخجل من عطفهم، من الوقوف على دور انتظار الطعام،
أخجل من نفسي، لكن دائما كان يأتي وجهه إلي، وأصبحت أعتاد وجوده معي كلما ضاقت بي
الأماكن وضاق بي الزمن.
اليوم استفقت
وحاولت أن أكرر لفظ الكلمات الجديدة التي أخذناها في المدرسة البارحة لعلي أبعد
عني شبح الخجل هذا، وكنت أتأتئ وأنا أكرر لفظ الكلمات الطويلة. وكم تمنيت لو كانت
اللغة كلها هي لغة كتابية فقط وغير محكية، كم كان هذا سيكون أسهل، وكأني نسيت
المعلمة التي كنتها والتي كانت تهتم باللفظ والكلام الرشيق الطليق الصحيح أكثر من
أي شيء، والتي كانت تقول دائما لطلابها أن القواعد أصلا كي نتعلم اللفظ والنطق،
وأن اللغة هي حالة التواصل مع الآخر، وأن أهم عوالم هذا التواصل هي الأذن والفم.
الآن، أنسى نفسي ومثل ذاك الطفل الخجول في صفي، أتمنى من كل قلبي لو كانت اللغة
كتابية فقط، وأذكر أنه لم يكن يخطئ في الإملاء أبدا، وحين كنت أطلب من أحد أن
يتهجأ لي أحرف الكلمات وحده كان قادرا على الإجابة الدقيقة ودون أي احتمال للخطأ،
وقد قالت لي أمه أنه لم يكن كذلك، لكنه تعرض لحالة خوف شديدة حين كان في الرابعة
جعلته يتأتئ وتلك التأتأة جعلته خجولا جدا.
هل هو الخوف الذي
مررت به وأنا أمضي بين حقول الألغام جعلني أتأتئ، أم أنه الخوف الذي صرخ في ملامحي
حين نظرت إلى وجه أختي آخر مرة، أختي التي كانت تحب الشرفات كثيرا، حينها صرخت
كثيرا أني أريد أن أودعها، ويجب أن أراها لكني حين رأيتها شهق بي خوف قاتل ولم أعد
أستطيع النظر إليها؟ أم أني أبرر الآن عدم تعلمي للغة الجديدة بسرعة بكل هذه
المبررات كي أخفف عن نفسي صفة الضعف؟ مرة أخرى يعود وجه الطفل إلى ذهني، أقرر أني
سأردد الكلمات الجديدة كثيرا، وكعادتي كلما قررت شيئا صعبا أذهب أولا إلى الفيس
بوك كي أهرب قليلا من قراري ثم أعود وأفعل ما قررت، لذا فها أنا أفتح صفحتي أتصفح
بدون هدف وكأنني أحلم، تطالعني صورة طفلي الخجول، لا أصدق، وأعتقد أنه كعادته يأتي
إلي عند كل خوف، لكن وجهه يتكرر وأنا أتصفح، يا إلهي هو طفلي، نعم هو هنا في
ألمانيا، كم ستكون خجولا يا صغيري. أخاف أن أكمل الخبر لكن فضولي يكمل عني “طفل
سوري يفوز بمسابقة التهجأة للغة الألمانية لمستوى الصف الثالث الابتدائي ويتفوق
على كل الطلاب الألمان”، أعيد قراءة الخبر، أمسح دموعي المتساقطة على جوالي
براحة كفي، أرفع جوالي إلى وجهي، أقبل صورته، ثم أضم الجوال إلى صدري طويلا، وأعود
إلى تكرار وحفظ تلك الكلمات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث