ثائر الزعزوع/
أواخر عام 2012 وخلال فترة عملي مديراً للأخبار في قناة سوريا الغد الفضائية في مصر، أنجزت للقناة دليلاً لتنظيم العمل وضبط المصطلحات، وساعدني على إنجازه فنياً شاب سوري طموح أعتز به كثيراً هو عدنان متيني. وقد ركزت في الدليل على عبارة “العبث الديمغرافي” باعتبارها خطراً يجب التنبه له ومحاربته، ولم أستخدم مفردة “التغيير” التي يكثر استخدامها هذه الأيام كثيراً، لأن التغيير أحياناً يحمل في طياته معنى إيجابياً فالثورة بحد ذاتها هي فعل تغيير، وأما ما يجري في سوريا فهو عبث في بنية مجتمع وفي هويته الثقافية والإنسانية، وهو عبث بالتاريخ والجغرافية، ولن يتوقف هذا العبث بسهولة إذ إن أطرافاً عديدة تشتغل عليه وتشرف على اكتماله، حتى صار مشروعاً قائماً بحد ذاته.
وإن كنا قد حيينا كرم أهالي إدلب وهم يستقبلون المهجرين، سواء أولئك الذين هجرتهم داعش أم أولئك الذين يقوم نظام دمشق بتهجيرهم من داريا وقبلها من الزبداني، فإننا يجب ألا ننسى أن عملية التهجير هذه ستؤدي مع تقدمها بالعمر إلى نشوء مجتمعات جديدة هجينة، وقد يكون أمر تفكيكها لاحقاً في غاية الصعوبة، كما أن ملايين المهجرين خارج سوريا والذين استقروا في بلدان لجوئهم وأوجدوا حياة بديلة، كان “الأب باولو” السوري أكثر من كثيرين، قد أطلق عليها في برنامج كان يقدمه على قناة الأورينت اسم “إقامة مؤقتة”، لكنها الآن صارت وبكل تأكيد حياة بديلة بالنسبة لنصف أولئك المهجرين على الأقل فما بالكم بأولئك الذين ابتعدوا إلى ما وراء البحار، ويخضعون كل يوم لدروات منظمة في غسيل المخ والاندماج بالمجتمعات الغربية التي حلوا فيها مؤقتاً على أمل العودة قريباً. إلا أن فكرة العودة برمتها تتحول إلى شيء من الماضي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار “اندماج” الأطفال فعلياً في الحياة الجديدة، وتحولهم شيئاً فشيئاً إلى جزء لا يمكن تجزئته من المجتمعات التي وُضعوا فيها، وأنا لا أتحدث هنا عن التخلي عن العادات والتقاليد فقط، لا أقصد العادات الكريهة أو المرضية بطبيعة الحال، لكن حتى تركيبة الأسرة والحياة الاجتماعية، ويمكنني أن أسترسل من خلال نماذج عايشتها عن قرب لأصف مدى العبث الذي ضرب اللغة العربية بالنسبة لأجيال من الصغار على سبيل المثال، وكنت نبهت في دراسة نشرتها في إحدى المجلات قبيل عامين تقريباً من أن اللغة العربية لن تعود لغتنا الأم، وأظن أن قرابة ثلاثة ملايين طفل سوري ما بين الداخل وفي المخيمات باتوا في حالة أقرب إلى الأمية، يضاف إليهم أكثر من مئة ألف طفل على الأقل هم أولئك الذين صاروا يتعلمون لغات أجنبية وسينسون العربية تباعاً، وهذا عبث يمس عمق الهوية يضاف بطبيعة الحال إلى عمليات التهجير وخلط المجتمعات، وتغيير ملامح المدن ديمغرافياً وثقافياً، وما كان يسمى من قبل وإن على سبيل المزاودة والتفاخر، “فسيفساء سورية”، صار يمكن وصفه الآن بالخراب الذي يصعب إصلاحه، وهو أكبر بكثير من الدمار الذي حل بالبيوت والمناطق وإن كانا مرتبطين بشكل كبير، فلو لم يتم تدمير المدن لما فر الناس منها…
التهجير على أسس طائفية كما يفعل النظام بمساعدة الميلشيات الطائفية التي تعمل معه، أو القومي كما فعلت بعض الفصائل الكردية، وقد تكون بعض الفصائل العربية مارست بدورها تهجيراً بحق الكرد، أو التهجير المتطرف الذي يقوم به تنظيم داعش والفصائل المتطرفة المشابهة له، كل هذا بات أمراً عادي الحدوث في المشهد السوري، ولا يمكن اعتباره مرتبطاً بفعل الصراعات الدموية فحسب، لكنه وكما أسلفت، عمل منظم ومشروع قائم بذاته سيخلف خرائط جديدة تسهل فعل التقسيم بل وتجعله أمراً واقعياً ومطلوباً. ألم تكن الأمم المتحدة شريكاً للنظام في كل التهجيرات التي قام بها في الزبداني وحمص القديمة وداريا؟ ألا يراقب مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي مستورا العمليات ويكتب توصياته ومقترحاته للحل فيؤخر ويقدم مواعيد الدعوة للمفاوضات بناء على الخرائط الجديدة التي يشارك في رسمها؟
يقترح كاتب في الوول ستريت جورنال الأميركية تقسيم سوريا إلى ثلاث أو أربع دول حسب الحاجة، ويضرب مثالاً يوغسلافيا السابقة ليستدل على أن التقسيم كان حلاً، ويعتبر أن كل قسم من الأقسام اليوغسلافية يعيش الآن نجاحاته الخاصة ويتطور دون مشاكل. تشارك تركيا في إفراغ منطقة غرب الفرات من المقاتلين الأكراد ومن تنظيم داعش، تعمل روسيا بجهد منقطع النظير على تحويل مدينة إدلب إلى واحدة من الجمهوريات المقترحة، يحرس النظام مناطقه، ويبعد منها من لا يريده، داعش لم يعد يرفع شعار باقية وتتمدد، مسلسل العبث الديمغرافي يكمل رسم الخرائط، ويضيق الخناق على أراوحنا، بانتظار أن نبدأ نحن أنفسنا بالمطالبة بالتقسيم، ساعتها سيتحرك العالم “الحر” لنصرتنا على الفور، وسيقيم إن أردنا مناطق عازلة وسيمنع الطيران عن قصفنا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث