الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / في دولة اللاقانون .. “منع السفر” انتهاك قديم جديد تمارسه الأجهزة الأمنية

في دولة اللاقانون .. “منع السفر” انتهاك قديم جديد تمارسه الأجهزة الأمنية

دمشق
– ريان محمد

كثيرة
هي الانتهاكات التي تعرض لها السوريون طوال عقود، ولم تستطع كل الدساتير والقوانين
أن تحد منها، فسوريا محكومة منذ الاستقلال، بعقلية عسكرية استبدادية، باستثناء
مراحل زمنية قصيرة للغاية، إلى أن وصل “حزب البعث العربي الاشتراكي” الى
الحكم، الذي هيمن عليه طغمة من العسكريين، على رأسهم حافظ الأسد، لتحكم البلاد
بعرفها الهادف للحفاظ على منظومتها، ودون أي وزن لكل القوانين رغم أنها من وضعتها،
أو وافقت عليها في ظل وجود آلاف الثغرات.

إن
أحد أهم الانتهاكات الكثيرة بحق السوريين، والتي ازدادت في سنوات الأزمة الأخيرة
وأصبحت تؤرق اليوم عشرات الآلاف منهم بصمت، هو “منع السفر التعسفي”،
الصادر من قبل الأفرع الأمنية دون مبررات قانونية أو قرارات قضائية أو إدارية
صادرة من جهات مخولة بحسب القانون، لاتخاذ مثل هذا القرار. وبالرغم من أن النظام قد
ألغى، صوريا، قانون الطوارئ الذي كان يجيز اعتقال الأشخاص أو منعهم من السفر، إلا
أن هذه الممارسات مازالت قائمة وبشكل أبشع وأكثر صرامة.

يقول
علاء، اسم مستعار، وهو كاتب سوري ممنوع من السفر منذ نحو سنة ونصف السنة،
لـ”صدى الشام”: “اعتقلت من قبل عدة أفرع أمنية ولفترات متفاوتة. لم
يكن هناك أي تهمة محددة في أي من الاعتقالات، وكان التحقيق معي يدور دائما حول الآراء
التي أوردها في كتاباتي”. مضيفا: “كان الاعتقال أمرا قاسيا جدا في ظل
أوضاع المعتقلات المزرية، مع انتشار الأمراض والتعذيب الجنوني، لكن المؤرق أكثر كان
منعي من السفر”.

وأوضح
علاء قائلا: “إن منع السفر هو السجان الذي لا يفارقني، وهو سيف الأمن المسلط
على عنقي. في كل عمل أقوم به أو قول أقوله، يترافق تفكيري مع قرار منع السفر، مع
أنني لا أرغب بالسفر ولا أعمل أو أقول ما هو مضر أو مسيء”.

من
جانبه، قال أحمد، ناشط حقوقي، لـ”صدى الشام”: “تفاجأت في عام 2013 بأني
ممنوع من السفر. لم يتم اعتقالي بشكل مباشر، لكني تحت الإقامة الجبرية في وطني.
خسرت الكثير من الفرص خلال الأعوام الأخيرة، إن كانت خاصة بتطوير إمكاناتي
المعرفية والمهنية، أو بالجانب العملي من حياتي”، مضيفا: “الأمر المزعج
جدا، أنه في ظل الدم الذي يغرق البلد، والانهيار الذي يزداد يوما بعد أخر، أمنع
أنا من السفر للعام الثالث على التوالي، بسبب بعض التعليقات التي نشرتها على
حساباتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي”.

عقب
إلغاء قانون الطوارئ، تم استبدال “برقيات منع سفر”، التي تخرج من قبل الأفرع
الأمنية عامة، بـ”برقية مراجعة”، حيث يبلغ الشخص الراغب بمغادرة البلاد،
بوجوب مراجعة الفرع رقم كذا أو كذا.

وقال
مصدر مطلع على ملفات منع السفر في الأجهزة الأمنية، لـ”صدى الشام”:
“عقب إلغاء قانون الطوارئ، لم يعد هناك برقيات منع سفر تخرج من قبل الأفرع
الأمنية عامة، بل تم الاستعاضة عنها ببرقية مراجعة، حيث يبلغ الشخص الراغب بمغادرة
البلاد، لدى مراجعته إدارة الهجرة والجوازات، أو حتى في حال استخراج بطاقة شخصية
جديدة، أنه يجب عليه أن يراجع الفرع رقم كذا أو كذا. معظم المراجعين يحصلون على
إذن سفر لمرة واحدة خلال ثلاثة أشهر، على أن يراجع الفرع الذي وضع إشارة على أسمه
في حال عاد من السفر”.

وبين
المصدر أن “قرار منع السفر، أو إشارة المراجعة، توضع على خلفية تقارير حول
توجهات وأراء أناس محددين، ثم ترتب في قوائم، ليتخذ القرار بحق أصحابها من قبل
رؤساء الأفرع الأمنية”. لافتا إلى أنه “لا يوجد إحصائيات دقيقة لعدد
الممنوعين من السفر، حيث أن الشخص الواحد قد يكون لديه أكثر من قرار منع صادر من
قبل أكثر من فرع. وفي حال حصل الشخص على موافقة على السفر من فرع معين، فهذا لا
يعني بالضرورة أن يعمم الأمر على جميع الأفرع، فكل فرع هو إدارة مستقلة القرار.
إلا أن أعداد الممنوعين من السفر تقدر بمئات الآلاف”.

إن
منح إذن سفر قد يعكس، في معظم الحالات، رغبة الجهة التي تتابع الملف بألا يعود
صاحبه. وقد أُبلغ العديد من الأشخاص، بشكل مباشر أو عدم مباشر، بتلك
الرسائل”.

وأضاف:
“كثير ممن منحوا إذن سفر لم يعودوا إلى سوريا. قلة من السياسيين والناشطين
المعارضين عادوا”. معربا عن اعتقاده بأن “إن منح إذن سفر قد يعكس، في
معظم الحالات، رغبة الجهة التي تتابع الملف بألا يعود صاحبه. وقد أُبلغ العديد من
الأشخاص، بشكل مباشر أو عدم مباشر، بتلك الرسائل”.

الأمر
الذي أكده، أحد الناشطين السياسيين في دمشق، لـ”صدى الشام”، قائلا:
“قبل أسابيع، قيل لي في أحد الأفرع الأمنية صراحة، إن كنت جاهزا للسفر خارج
البلاد نهائيا، فإننا مستعدون لمنحك إذن السفر”. وردا سؤالنا عن إجابته، قال
“مازلت هنا”.

وأضاف:
“لم أتخذ قرارا بأن أغادر البلاد بعد، لكني لا أخفيك أني لا أشعر بالاستقرار أبدا؛
فأنا معرض للاعتقال بأية لحظة. ويكفيك أن تشعر بأن لديك ملفا مفتوحا لدى إحدى
الجهات الأمنية، وهو يكبر مع كل حركة تقوم بها”.

يشار
إلى أن منع السفر هو إجراء تحفُّظي احترازي يُفرض على المدّعى عليه أو المتهم الذي
يُخشى من تهرّبه من تنفيذ العقوبة أو الالتزامات المالية، التي قد تنتج عن إدانته
بالدعوى المنظورة بمواجهته. وهو بالمجمل اختصاص قضائي بحت، من اختصاص المحاكم
السورية، حسب الاصول القانونية.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *