سأصمت طويلا

حنين عتيق

أعدك، سأصمت، لن أصرخ، لن أبكي، حتى أنني لن أصدر أي نفس، تماما كما كنت
تقولين لي دائما. لا أدري لماذا أذكر الآن هؤلاء الرجال الذين دخلوا البيت وهم
يحملون أسلحتهم، وكيف داسوا على السجادة فيه ولم تصرخي في وجههم كما كنت تفعلين
دائما عندما لا أخلع حذائي وأدخل بسرعة، الرجال الذين كسروا لعبة أخي بأقدامهم،
وكيف أنك لم تمسكي أحدا منهم من أذنه وتشدينه، كما كنت تفعلين عندما أمسك أنا لعبة
أخي. وأذكر أنني كنت خائفا، صرت أصرخ، لكنك قرصتني من يدي وهمست: اصمت، ولا كلمة.
وصمت، كان أبي يركض خلف الدار، يركض بعيدا، وأنا كنت أبتلع صوتي وأشهق. وأذكر أنني
كنت كلما سألتك متى سيعود والدي من خلف الدار كنت تصرخين بي: لا تتكلم عن هذا أبدا
وإلا أخذوا والدك إلى السجن. وحين سألتك لماذا يريدون أن يأخذوه إلى السجن؟ هل سرق
والدي أغراض رفاقه؟ ضربتني على فمي، وصرختِ: إياك أن تقول هذا مرة أخرى، أغلق فمك.
أغلقت فمي وصمت، وحين جاءوك بخالي ووجهه مغطى بالدم ويداه باردتان، كان خالي صامتا
تماما، وأحسست أني مرعوب وتمنيت أن تبتلعني الأرض، لم أفهم شيئا، كنت أريد أن أبكي
لكنك كنت تصرخين كثيرا وتضربين رأسك بيدك، وأنا خفت، وصمت. أما حين جاءت تلك
الطائرة التي كانت أكبر بكثير من لعبة ابن جيراننا، والتي غطت السماء تماما، كان
صوتها قويا جدا، ولا أدري لماذا وقع ذلك الشيء الكبير من تلك الطائرة، وقع على بيت
جيراننا، وكسر زجاج بيتنا، وجعلك فجأة تحملين أخي، تشدينني من يدي، تخرجين دون أن
ترتبي غطاء شعرك، دون أن تبدلي ملابسك، جعلتني أمشي قبل أن ألبس حذائي، صرت أصرخ:
أريد أن آخذ لعبتي التي أهداني إياها خالي معي، لكنك لم تأبهي لصراخي، فقط كنت
تركضين، تحملين أخي وتجريني خلفك حافيا. وأذكر أني بكيت كثيرا من ألم قدمي، وأني
صرخت كثيرا بأنني أريد أن أعود للبيت، لكنك فقط كنت تركضين، وتشدينني وتشهقين، لم
تقولي لي اصمت. مشينا في الوحل وأنا تعبت كثيرا من البكاء، تعبت من التوسل، وصرنا
نبتعد كثيرا، ونسير في الظلام، وأنا صرت أرى أشباحا وأسمع أصواتهم، ولم أجرؤ أن
أقول لكِ أنني تبولت في ملابسي، فقط أمسكت بيدك، وصمت.

حين وصلنا مع مطلع الفجر، كان المكان قرية كبيرة مثل قريتنا، لكن الناس كانوا
يتكلمون فيها شيئا لا أفهمه. هناك، وضعونا في غرفة صغيرة، صغيرة جدا، جدرانها بدون
طلاء، وحمامها مقرف، صرت أصرخ وأقول: لا أحب أن نعيش هنا، لكنك عدت وقرصتني بيدي،
وصمت. كان الطعام يقلّ كل يوم، وكنت أنام جائعا. وحين أتيت وقلتِ لي أننا سنسافر
غدا على قارب بالبحر، وأني إذا لم أبكي أبدا، سنصل إلى مكان يقدم لي سكانه غرفة لي
وحدي، وألعابا كثيرة، وأن الناس هناك سيشترون لي ملابس جديدة، كلها جديدة، وأحذية،
وبالونات، بقيت طوال الليل أحلم بالألعاب الجديدة، وبكنزة صوف دافئة، وبحذاء يصدر
أضواء وصوتا. جاء الصباح، وذهبنا للبحر، وصعدنا للمركب الذي كان صغيرا ومليئا
بكثير من الناس، وكثير من الأولاد، كان الأولاد يصرخون وأنا كنت ابتسم: فهم لن
يحصلوا على الألعاب مثلي حين يصلون. لا أعرف كم طال الوقت، لكن القارب كان يسير في
البحر، وأنا كنت أغمض عيني وأحلم كما قلت لي، في البداية كان الماء المالح يطرش
وجهي، ثم صار القارب يميل كثيرا فوق الأمواج، كنت أمسك يدك، وقررت ألا أصرخ، وبقيت
مغمض العينين كما طلبتِ، ولكني فجأة، لا أعرف كيف دخل الملح إلى فمي وعيوني، وكيف أفلتت
يدك مني، حاولت أن أبحث عنك لكني لم أعد أستطيع التنفس، وصرخت، سامحيني يا أمي ولا
تحرميني من الألعاب، لقد صرخت قليلا، قبل أن يصبح كل شيء أبيضا، وقبل أن أفقد
لإحساسي بالملح، وبضيق النفس، وحتى بالرغبة بالصراخ. أبي مازال يركض خلف الدا، أنت
تغنين لي أغنية النوم، وأنا صامت، صامت تماما، كما وعدتك.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *