صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/
الملاحظ أن التصريحات الأمريكية الأخيرة حول التدخل التركي في الشمال السوري ضمن ما سمي “درع الفرات” عموماً تحاول التمييز بين “PYD” وقوات سورية الديمقراطية “قسد”، وتدعو القوات التركية إلى ضبط النفس، وعدم الاشتباك مع تلك القوات، وتؤكد باستمرار على سحب العناصر الأكراد إلى شرقي الفرات، وأن القوات المتبقية غربي الفرات هي من مكونات أبناء المنطقة المختلفة. ومن هذه التصريحات يُستدل على أهمية وجود العناصر العربية ضمن قوات قسد، وضرورتها للولايات المتحدة الأمريكية لتبرير سياستها مع “قسد” إزاء تركيا.
في الأيام الأخيرة تناقلت الوكالات أخبار خروج بعض هذه القوات العربية من بنية “قسد”، ووصول بعضها إلى الأراضي التركية، ومن ثم دخولها إلى جرابلس، وتمترس بعضها الآخر في قرى وتجمعات سكنية كانت قد سيطرت عليها قسد قرب تل أبيض. كما وردت أنباء عن صدامات مسلحة بين المكونين الكردي والعربي في “قسد” في القرى المجاورة لتل أبيض.
صحيح أن عدد العناصر العرب المنشقين أو الهاربين من “قسد” الذي تتداوله الوكالات صغير جداً. ولكن التقديرات تقول إن عدد القوات العربية أصلاً في هذا المكون صغير جداً أيضاً
في الواقع أن “قسد” بحاجة ماسة لهذه القوات مهما كانت صغيرة مثل حاجة الولايات المتحدة الأمريكية لها على اعتبار أنها تزيل تهمة أو شبهة الإقصائية عن “PYD” الذي يشكل غالبية هذه القوات المطلقة، وعمودها الفقري.
ولكن السؤال الملح هنا هو كيف تمكنت هذه القوات الصغيرة من الهرب، وعبور الحدود التركية، والانتقال عبر هذه الأراضي من شرقي الفرات إلى غربه، ومن ثم دخولها إلى مدينة جرابلس على الرغم من أهميتها لكل من “PYD” والولايات المتحدة؟
المعروف أن الحدود التركية السورية صارت صعبة جداً وشبه مستحيلة على عبور حتى النساء والأطفال السوريين الهاربين من الموت، ويتعرض من يحاول العبور إلى إطلاق النار من قبل الدرك التركي، وهناك عدد من هذه الحوادث أدت إلى سقوط ضحايا لا يريدون سوى ملاذاً آمناً. كيف يعبر إذاً مئة مسلح على الأقل بأسلحتهم الخفيفة الحدود إلى تركيا، ويتخلصون من ملاحقة قوات حماية الشعب؟
الجواب على هذا السؤال بسيط جداً… لا يمكن لهم العبور دون تنسيق مع المخابرات التركية من أجل تأمينهم، واستقبالهم، ونقلهم إلى جرابلس.
من جهة أخرى، فهل يمكن لهذه العناصر اتخاذ قرار الانشقاق أساساً دون معرفة مصيرهم بعد أن وصل عداء فصائل الجيش الحر المشاركة بعملية درع الفرات لهم إلى نقطة حرجة جداً، وقُطعت جسور الثقة بشكل تام؟ وهذا الأمر بدوره أيضاً يدل على وجود تدخل مخابراتي تركي مسبق، وإجراء اتصالات معهم لإقناعهم بالانسحاب أو الانشقاق عن هذه القوات.
وقبل الإعلان عن هذه الانشقاقات بيومين ورد خبر في الصحافة التركية مفاده أن “لواء تركياً مدرعاً سُحب من ديار بكر إلى جنوب مدينة أورفة على الحدود التركية السورية”. المعروف أنه عندما يُقال جنوب أورفة، فهذا يعني أن المنطقة التي تمركز فيها هي التي تقابل مدينة تل أبيض شمال الرقة، ولم يُذكر في الأخبار سبب سحب ذلك اللواء إلى تلك المنطقة التي هي خارج مسرح عمليات درع الفرات.
عند ربط خبر سحب اللواء المدرع مع انشقاق بعض العناصر العربية من قسد الذي حدث بعد يومين فقط من تمترس ذلك اللواء، فلا بد أن يربط الأمرين أحدهما بالآخر.
نتيجة التجربة التي خاضتها تركيا مع “حليفتها” الاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية الثورة السورية إلى الآن، لا بد من القول إن الثقة قد تبددت بين الطرفين، وعلى الرغم من محاولات الولايات المتحدة المتكررة لبناء جسور هذه الثقة، فإن الأتراك لا يركنون إلى الوعود الأمريكية، وما زالت الهوة بين الطرفين في الملف السوري عميقة جداً من الصعب ردمها. لذلك فهناك أعمال أخرى تقوم بها تركيا لسحب ذرائع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، واكتساب مشروعية فيما تقوم وستقوم به في الشمال السوري، ويمكن إدراج هذه العملية ضمن هذا السباق بين الطرفين.
الأخبار الواردة من جرابلس لا تنقل نشوب أي صدام بين المنشقين من قسد وفصائل الجيش السوري الحر الذي دخل بدعم عسكري تركي، وهذه أيضاً رسالة لعل المخابرات التركية تريد أن توجهها لمن تبقى من عناصر عربية في قسد لكي تشجعهم من خلالها على الانشقاق.
يبدو أن ما أسمته تركيا عملية “درع الفرات” عملية متشعبة كثيراً، والأيام القادمة يمكن أن تكشف عن المزيد منها.
تصريح بوتين صباح اليوم الذي انشقت فيه تلك العناصر، وقال فيه: “تركيا تدافع عن مصالحها في سورية مثلما ندافع نحن عن مصالحنا”، يشي بموافقة روسية ضمنية على ما تقوم به تركيا في الشمال السوري. بالطبع هناك من يفسره على أنه جزء من المقايضات التي تجري في سورية…
سحب المكون العربي من “قسد” قبيل لقاء بوتين أوباما ورقة مهمة توضع على طاولة المفاوضات بين الرئيسين، مثلما ستحاول تركيا استثمارها إلى أقصى الحدود، مثلما ستقلل الولايات المتحدة من شأنها، ولكن اللعبة مستمرة، والتحولات مفاجئة، ولعل خبراً صغيراً مثل سحب لواء مدرع من منطقة إلى أخرى يجر وراءه كثيراً من التطورات ذات التأثير المهم مهما كانت صغيرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث