الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / بتلات النرجس تحرس الشهداء

بتلات النرجس تحرس الشهداء

أسامة إنديوي 

منذ ساعات الصباح، وهي تجلس القرفصاء، تمرر يدها
على الحصى المسننة، كأنها تمررها على حرير، تغير أمكنتها قليلا لكي تتوزع حبات الحصى
في مساحة صغيرة بحجم كون كامل، لا تتجاوز المترين طولا بنصف متر عرضا، وتمنح
للنرجس المطل حديثا من بين الحصى في هذا البرد الشديد، حصة كبيرة من اهتمامها. لم
تكن تتجرأ على لمس بتلات النرجس، كانت تناجيها فقط، تغني لها، وتقرب وجهها منها
لتشم رائحة كانت تشعر بأنها مخزنة في خدودها، كيف لا وجذورها تمتد عميقا لتلامس
أغلى ما في الوجود؟ لعل نسغها كذلك هو من وريد روح هائمة هناك في الأعماق. كانت تكثر
لها الوصايا كي تحنّ على من يداعب جذورها تحت التراب، ويؤنس وحشة الأعماق، كانت تطلب
منها أن توفر العطر، وتبقيه في الجذور لأن مازن كان يعشق تلك الرائحة، كانت تسأل النرجس
مرارا وتكرارا: هل استيقظ مازن اليوم متأخرا كعادته؟ وهل أعددت له الفطور؟ هو لن يتناول
إفطاره إذا لم يجد الطعام جاهزا، ولن يشعر بالجوع. تردد الأم الثكلى مخاطبة زهرات
النرجس: “كنت أظن أنه لا يجوع، فهو لا يطلب الأكل أبدا، ولا يتذكر الطعام إلا
إذا وجد أمامه. كانت تشغله أمور أخرى، خصوصا في الآونة الأخيرة، مذ سمع هتافات تشق
عنان السماء، لكأنها أنزلت عن صدره حملا كان دائما يثقل كاهله. لم يكن يبوح بما
كان يؤلمه، كان كتوما لا تسمع له زفرة أو تأففا، لكن قلبه مثقل بما لا يطيق أي إنسان،
كنت دائما أشعر بذلك، ولم أر ذلك النور الذي يشع من روحه إلا بعد أن سمع ذلك الصوت،
ووهب له كل وقته وأحلامه، وبقي كذلك حتى خطفت رصاصة غادرة حلمه، وخنقت صوت الحياة
الذي بدأ يعلو شيئا فشيئا. أخبريه بأن أخاه ينام في مكان ليس بعيدا عنه، ولا داعي لأن
يتعب صوته في النداء على اسمه، فما زال نومه ثقيلا، وقد لا يسمعه من أول مرة.
أخبريه بأننا لم نستطع أن نجعله ينام بجواره، لأن رفاقه لم يتركوه يذهب وحده، لقد
ناموا على يمينه ويساره، ناموا معا لأن البراميل المتفجرة لا تصيب واحدا وحده،
فاختصاصها لمّ شمل الأصدقاء والحرص على دفنهم في سرير بارد واحد، لم لا وقد كانوا يهتفون
معا ويرقصون معاً! علّك تسأليه لماذا نام مبكرا هكذا؟ كنت أريد أن أحمّله زوادة
لأخيه، لكنه دائما هكذا يحب الاستعجال في كل شيء، قولي له… أخبريه بكل ما قلته
لك…”

في كل يوم كانت أم مازن تعيد نفس الوصايا على
أزهار النرجس الغضة، حتى يعود زوجها من العمل ويستخدم كل وسائله ولساعات أحياناً،
في محاولة يومية لإقناعها بأن مازن وأخاه الصغير في البيت الآن، وأنهما جائعان
وينتظرانها كي تعد لهما العشاء، ولا بد أن تعود معه كي لا يناما جائعين.

كانت تعود مع زوجها إلى منزلها، لكن بتلات
النرجس وأرواح الأصدقاء والحصى المتناثرة، تبقى هائمة حول القبر الصغير، تشرب
القهوة مع مازن وأخيه وأصدقاءهما، وتحرس روحيهما حتى تعود أمهما في الصباح التالي.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *