تعددت قصص النساء السوريات المشاركات في
الثورة، وتنوعت لتغطي كافة الفعاليات، لكن العمل التطوعي في الإغاثة والتوثيق كان
أكثرها انتشارا، بالرغم من حداثة العمل بثقافة التطوع بمفهومها العام في سوريا،
حيث بدأت تتبلور كثقافة معاشة خلال السنوات الأخيرة.
فاضل الحمصي
تميّزت الثورة السورية بمشاركة نسائية كبيرة مقارنة
بمشاركة نساء دول الربيع العربي في ثورات بلادهم. وكان للمرأة دور كبير في العمل
التطوعي، ساهم بتخفيف المعاناة التي لحقت بالأسر النازحة أو المقيمة في المناطق
المحررة، وذلك من خلال المساعدة في الأعمال الإغاثية والطبية والخدمية وغيرها من
المجالات.
المؤهلات العلمية للمتطوعات
تتراوح المؤهلات العلمية للمتطوعات ما بين الجامعية
والثانوية في أغلب الأحيان، مع وجود لبعض من تحملن شهادات ابتدائية. وتعلل نهلة،
ناشطة إغاثية تطوعية، هذا الأمر بقولها: “لا يتعلق عمل الخير ومساعدة الناس
بالشهادة التي يحملها الشخص، ولكن للتعليم دور مهم في إدراك أهمية التطوع وأهمية
مساعدة الناس في مثل هذه الظروف، لذلك نجد الجامعيات والمتعلمات إجمالاً أكثر
مشاركة في العمل التطوعي، بسبب ثقافتهن المترسخة في عقولهن بأهمية الأمر”.
وتضيف: “عملت منذ 4 سنوات وحتى الآن، مع عدة جمعيات وفرق إغاثية، وغالبية من
كنّ ضمن فرقنا من المتعلمات، وقلة قليلة من غير المتعلمات. لا أعتقد ان الأمر
صدفة، فللتعليم دور مهم في الأمر”.
العمل الإغاثي ..المجال الأوسع لمشاركة المرأة
تعتبر مشاركة المرأة في العمل الإغاثي هي الأعلى نسبة من
بين مشاركتها في الأعمال الأخرى، ويعتبر تواجدها في العمل الإغاثي أمراً أساسياً يُحسّن
من جودة العمل، كما ينعكس وجودها إيجاباً على العائلات المحتاجة للمساعدة. تقول
جنى، وهي متطوعة في جمعية إغاثية داخل المناطق المحررة بمدينة حلب: “يعتبر
وجودي مع زميلاتي المتطوعات أمراً مهماً، فالعمل الإغاثي يتطلب احتكاكاً مباشراً
مع الأسر والعائلات، وقيام الشباب بهذه المهمة أمر قد لا تتقبله الكثير من
العائلات، والتي قد ترفض المساعدة أصلاً لكي لا تسمح للشباب بدخول البيوت، حيث
يتطلب عملنا الدخول إلى المنازل والكشف عليها للتأكد من حاجة أهلها للمساعدة
وتسجيل نوعية المساعدات التي يحتاجونها”. وتضيف قائلة: “وأيضاً تحتاج
النساء في بعض الحالات، كالحمل والإرضاع، مستلزمات خاصة، وقد تحرج من طلبها من
الشباب، فوجود امرأة قد يسهل عليها ما تطلب”.
وجود الشابات المتطوعات ضمن فرق الإغاثة يسهّل
عمل تلك الفرق عند دخولها إلى منازل المحتاجين، كما يساعد النساء بشكل خاص.
أما رنيم، وهي متطوعة في جمعية إغاثية خارج سوريا، فتقول
شارحة تجربتها: “بدأت بالعمل التطوعي منذ بداية الثورة في مناطق يسيطر عليها
النظام، ثم تابعت عملي التطوعي في مناطق محررة، قبل أن أنتقل إلى الخارج، وقد كان
الفرق كبيراً بين التجربتين، ففي المناطق المحررة الأمر أكثر سهولة، حيث نعمل
بعيداً عن التعقيدات والموافقات الأمنية التي لا تنتهي”. وتضيف: “في
مناطق سيطرة النظام، كنا نشعر بحاجز كبير بيننا وبينا الناس، الذين كانوا يخشون أن
نكون تابعين لأجهزة الأمن، ولا يتجرؤون على التحدث بأي شيء، أو طلب أي شيء”.
صعوبات وعوائق
تتعرض المتطوعات للعديد من الصعوبات والعوائق أثناء
تأديتهن لعملهن، ومن أبرز تلك العوائق هو عدم اعتياد الناس واستغرابهم، وعدم
تقبلهم لوجودهن ضمن فرق الإغاثة أو الفرق الطبية، كما تقول لبنى، وهي متطوعة في
فريق إغاثي يعمل ضمن المناطق المحررة. وتقول لبنى أيضاً: “أواجه صعوبة كذلك
في طرح الأسئلة المطلوبة ضمن استبيانات على اعتبار أنها أسئلة كثيرة وتفصيلية،
فيعتبرون ذلك نوعاً من التدخل في خصوصياتهم وليس مجرد تعبئة بيانات عادية. كما أن
عدم الإفصاح عن هوية المتطوعة، وعملها أحياناً باسم مستعار، يخفف من ثقة الناس بها”.
يعتبر عدم تقبل المجتمع، في بعض المناطق، لوجود
النساء المتطوعات ضمن فرق الإغاثة أو الفرق الطبية، أحد أكبر العوائق التي
يواجهنها في عملهن.
أما إسراء، وهي متطوعة ضمن فريق متخصص بالدراسة
والتوثيق، وتعمل معه عبر الإنترنت، فتقول أن أبرز ما يواجهها من مشاكل هو الضغط
الكبير والكم الهائل من العمل، وذلك لقلة المتطوعين المستعدين لتقديم المساعدة. كما
أنها تعاني من التزام بعض من يقدم المساعدة لفترة محدودة ثم يحجم عنها نتيجة
انشغاله بأمور أخرى.
دورات للتوعية والتدريب
انتقلت بعض المتطوعات من مرحلة تقديم المساعدة في العمل التطوعي إلى نشاطات
أخرى، منها التدريب والتعليم ضمن المناطق المحررة. فبالإضافة لحملات التوعية التي
تقوم بها المتطوعات، يقام بشكل دوري دورات متنوعة بأسس الإسعاف الأولي وطريقة
التعامل مع حالات القصف، ودورات في اللغات والأشغال اليدوية، وغيرها من النشاطات
المتنوعة. عايدة، المتطوعة في مشفى ميداني، تقول:
“كان عملي التطوعي محصوراً في المجال الطبي والإسعافي لأن الظروف فرضت ذلك،
ولم أكن أملتك خبرة في هذا المجال، وقد انضممت إلى بعض الدورات في مبادئ الإسعاف
الأولي ودورات TOT أجرتها بعض المنضمات. لا أقول إنها كانت ممتازة، لكنها كانت جيدة، وساعدتني على تعلم المبادئ،
وقد تمرست جيداً في المشافي الميدانية إلى أن أتقنت عملي. لقد كانت تلك الدورات مفيدة
لي وساعدتني على تطوير أدائي لخدمة الناس بشكل أفضل”.
أسباب الانضمام للعمل التطوعي
وعن أسباب الانضمام للعمل التطوعي، قالت جنى أن هدفها الرئيسي من العمل
التطوعي هو تقديم المساعدة للمدنيين العزل والنازحين، الذين يعتبرون ضحية من ضحايا
الحرب. فيما قالت لبنى أن هدفها الرئيسي هو مساعدة المتضررين، وخصوصاً الأرامل
وزوجات الشهداء وأطفالهن، ممن تقطعت بهم السبل ولم يعد هناك من يعيلهم. أما إسراء،
فقد قالت أنها تشعر بواجب تجاه هذه الثورة، وهي تقوم بالتوثيق وأرشفة ما
يحدث من جرائم من قبل النظام، وقد يستفاد من هذه التوثيقات مستقبلاً لرد المظالم
ومحاسبة القتلة وأعوانهم، كما أنها توثق الانتصارات حتى تبقى تاريخاً للأجيال
القادمة.
الواجب تجاه الثورة هو أحد الدوافع للانضمام للعمل التطوعي عند
الكثيرات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث