حنين عتيق
سأقلع بعد قليل وستقلع معي حقائبي المحملة
بالذكريات والأحلام.
الذكريات المطوية جيدا والمكوية جيدا،
والأحلام التي كانت أكبر من الوزن المسموح به على متن الطائرة، الأحلام التي كان
عليّ أن أدفع عليها كثيرا بسبب الوزن الزائد.
هي أول مرة أركب طائرة. كنت وأنا صغيرة
أحسد كل من يعيش هذه التجربة، وكم كنت أحس أن من يركب فيها وتأتيه المضيفات لخدمته
سيكون إنسانا سعيدا لا محالة، وأنه في لحظة الإقلاع ستكون هناك مشاعر لا توصف من
الدهشة مع الخوف مع الغبطة اللا محدودة.
دقائق ويعلن الطيار عن بدء رحلتنا، ولا
أدري لماذا فقد كل شيء ملامحه الحقيقية. أصبحت أتمسك بالأرض بنظري، كأني أحاول
الاحتفاظ بكل نظرة وبكل لفتة.
لا أدري لماذا حضر وجه ابني الآن، ابني
البالغ خمسة عشر عاما، والذي ودعته قبل عشرين ساعة هناك على مدخل البيت، ولا زلت
لا أصدق أن هذا الزمن قد مر فعلا وأني قد ودعته فعلا، وأني ذاهبة الآن ولا أعرف
متى يمكن أن أراه.
ما لم أكن أتوقعه في حياتي أن أفعل يوما
ما أفعله الآن، أن أسافر إلى بلاد بعيدة لا أعرف لغتها ولا أعرفها، ومعي ابني
الأكبر البالغ ثمانية عشر عاما، وأن أترك زوجي وابني الأصغر هناك. لكن سفارة هذا
البلد الذي أقصده لم توافق على أن تأتي عائلتي كاملة معي، وكان عليّ أن أختار أحد
أبنائي، وهنا كان الزمن قد توقف في قلبي وأحسست أن قلبي توقف عن عمله الأبدي.
بعد صراعي الذي لن ينتهي مع قلبي وروحي،
اخترت أن آخذ ابني الأكبر معي كي أحميه من الخدمة الإلزامية، وكي أستطيع لم شمل
الأصغر، لكن قلبي لم يكن يفهم لماذا وكيف تزلزلت حياتنا هكذا، كيف يمكن أن تنقلب
كلها، وما الذنب الذي ارتكبتاه كي نعاقب بكل هذا القهر؟
قبل سنوات من اليوم، كنت في صيدليتي أحاول
إسعاد مريضي مثلما أحاول إعطائه الدواء، وفي بيتي أحاول أن أربي الحياة جيدا مثلما
أربي أطفالي، لكن غصة من حرمان حق حرية الرأي وحرية التفكير كانت تعيش معنا، والرعب
من مجرد كلمة الأمن كان ينام في فراشنا، وكان حلما بثورة ستأتي لا محالة لا ينام.
ولكن، ومن دون أي توقع، أتت بداية هذا
الربيع العربي كحلم عتيق. وكم شكرت الحياة أنني كنت هناك كي أعيش هذه الأيام التي
لم يكن يمكن لأحد أن يجرؤ حتى على مجرد الحلم بها.
انتصر الحلم في تونس لنفرح وكأن كل واحد
فينا قد انتصر. ولنتخيل أن زمنا من العدالة والحق قادم بكل روعته. وبدأت مصر تغلي
وبدأنا نعيش أحداثها بكل لحظة. كنا نحس أننا ننزل معهم للساحات، وأننا مثلهم نستمر
ولا نتراجع، ومثلهم تدوسنا الجمال وأحذية العسكر، ومثلهم لم تسعنا الأرض حين
انتصروا.
وحين بدأت في دمشق أولى المظاهرات، كان
قلبي لا يصدق ويركض مع أول من كانوا أمام القصر العدلي يحملون صور المعتقلين
السياسيين. أما حين اعتقل الأطفال في درعا، فقد أحسست أني أمهم، ولم أكن أستطيع
النوم وكنت أتفقد أطفالي كل ساعة.
بدأت الثورة تكبر وتنتقل مثل نار من مدينة
إلى أختها. وكم كنت أحس بنشوة لم أحسها من قبل حين كانت كل مدينة تنادي أختها
وتقول لها أنها معها حتى الموت.
وحين بدأت أعداد النازحين تتوافد إلى
مدينتي، كنت أحس أني مهما قدمت ما زلت عاجزة، وأني مستعدة لأي شيء يعيد لطفل ولو
ضحكة خجولة. كنت أحس أن الدواء مثل الخبز، لا يمكن أن تحرمه لمريض لأنه لا يملك
ثمنه. ولم أتخيل أن يترتب على إعطاء الدواء مجيء عناصر من الأمن وسؤالهم عني ومحاولة
تكسير واجهة الصيدلية.
انقسم الناس والمجتمع في كل بقعة، وأصبحت
الحرب تعاش داخل البيوت. لكني أيضا لم أكن أصدق أن أحد المعارف هو من أرسل أحد
التقارير للأمن، وأني أصبحت، بكل ما تعنيه الكلمة، ملاحقة ومطاردة.
لم يعد هناك أي حل. كان عليّ أن أحزم
الذكريات والأحلام وأسافر إلى المكان الوحيد الذي توفر، حتى ولو أنه بلد لا تقدم للاجئ
فيها أية مساعدات. وها أنا في الطائرة الآن. لكن ما لا يغيب أبدا هو وجه ابني، ابني
الذي بقي هناك وارتسم وجهه الآن على الشباك. الطائرة ستقلع، وصوتها يعض قلبي ككلب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث