اللاذقاني
قبل
عامٍ ونيّف وقف أبو محمد العدناني، على خط الحدود الفاصل بين العراق وسورية، ليعلن
عن “إسقاط سايكس – بيكو” الذي رسمه الاحتلال منذ ما يقارب الـ ١٠٠عام.
ضربٓ الحاجز الترابي فاتحاً الطريق بين الرقة السورية والموصل العراقية. ليحقق
البغدادي، بقوة السلاح وفائض التوحّش، رمزياً، ما عجز الملك فيصل بن الحسين
الهاشمي عن الحفاظ عليه قبل ما يناهز الـ ١٠٠عام.
الملك
فيصل، الذي أُرضي من قبل البريطانيين بإعطائه عرش العراق فقط دوناً عن سورية
الطبيعية، ولأخيه عبد الله عرش شرق الأردن، واراه الثرى قبل أن يشاهد تنظيماً
إرهابياً يسيطر على نصف مساحة سورية وثلث مساحة العراق، بالإضافة لغالبية منابع
النفط والغاز في الجزيرة السورية. مات قبل أن يجد تنظيماً ينتمي لأشباه دولٍ، يسعى
وراء ثوار سورية وليبيا، وائداً ثورة العراق، دعماً للدولة المسيطرة ولخطابها المتذرّع
بحرب الإرهاب وتلبية شروط الاستقرار، لتمويل الحرب ضد القضايا المشروعة لشعوب تلك
الدول.
ثمانية
أشهرٍ على بدء عمليات التحالف الدولي ضد التنظيم، وما يناهز الـ ٤ آلاف غارة جوية،
و١٣ ألف قنبلة، دمّرت ٦ آلاف هدفٍ للتنظيم المتشدد؛ لم تؤت أكلها؛ تنظيم يقاوم
بشدة، ولم يخسر سوى القليل من المساحات التي كان يسيطر عليها قبل عام. في الحقيقة،
وبنظرة أوسع إلى قارتي آسيا وإفريقيا، سنجد بأنه لم يخسر مساحاتٍ بقدر ما اكتسب،
فذكرى هذا العام أعطته ٣ ولاياتٍ جديدة في ليبيا، وولايةً في مصر، وبيعاتٍ متفرقة
أخرى، كان أبرزها تلك القادمة من زعيم جماعة بوكو حرام في نيجيريا، وبيعة القوقاز
أيضاً.
4
آلاف غارة جوية و13 ألف قنبلة من قوات التحالف الدولي خلال 8 أشهر، دمّرت 6 آلاف
هدفٍ تابعٍ للتنظيم، ولم توقف عنفه، بل رفعت من أسهم الجناح الأكثر تشددا داخله
لم
تساعد تلك النيران، من ناحيةٍ أخرى، على إيقاف عنف تنظيم الدولة المفرط، بل زادت
منه، ورفعت من أسهم الجناح الأكثر تشدّداً داخله للفتك بكل عملية اختراق فكري كانت
ممكنة على الأقل، خصوصاً وأن قوته تنبع من تماسكه الأيديولوجي، واستدعائه العبقري
للتاريخية الإسلامية -وليس الوحي الإسلامي- في تبرير أفعاله الإجرامية وسياساته
الوحشية أمام أنصاره، ويدافع بهذه التاريخية عن مشروعه في مواجهة منافسيه.
بعد
عامٍ ونيف على إعلان “الدولة”، يُنشَأ مصرفٌ مركزي، وتُعلن موازنةٌ
عامة، تفوق بـ ٣ أضعاف تلك التي في جيبوتي، مقدارها ٢ مليار دولار بفائض بلغ ٢٥٠
مليوناً، وتُصكّ عملات من النحاس والفضة والذهب. ويا للعجب هذه المرة، لا صورة
للقائد على خلفية النقد المعدني الثمين، إنها رسالة السيطرة العالمية، حيث تتربع
خريطة العالم على خلفية الدينار الذهبي من دون أي مواربة. لا حدود إذن في عقلية أصحاب
الدولة لدولتهم، كما أنه لا حدود في ممارسات التنظيم للتوحّش ضد ما فُطر عليه
الإنسان.
ولأن
حدود هذا التنظيم تضمنها الأزمات، وحيثما تحلّ الأزمة يحلّ الإرهاب، فإنه، أي
الإرهاب، يتسع. فالأزمات لا تكاد تنحسر، وإنّما تسجّل تفاقماً يوماً بعد يوم على
طول خريطة العالم العربي، لتصل آسيا بإفريقيا.. عبوراً من غزة! نعم إنها غزة،
حيثما يحلّ الحصار البري والجوي والبحري الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على أكثف
تجمّعٍ سكاني في العالم منذ تسعة أعوام. خرج ثلّة من أبناء التنظيم يتوعدون حركة
المقاومة الإسلامية حماس بالدمار والوبال، وكأنّ من يسمّون أنفسهم بأنصار بيت
المقدس ليسوا بأكثر من أنصار الذين يحتلون بيت المقدس. ولكن لا غريب يذكر،
فالتنظيم الإرهابي لا يخفي أجندته في شن الحروب الاستباقية على أي مشروعٍ منافس،
كأولوية تسبق شن الحرب ضد أي طرفٍ معادٍ وفق أدبياته، انطلاقاً من قاعدته التي
تقول بأن “قتال المرتدين (الإسلاميون خارج التنظيم) أولى من قتال الكفار
الأصليين (اليهود والمسيحيون وغيرهم)”.
عامٌ
ونيف، وما يزال بشار الأسد في قصره، وحسني مبارك حرّاً طليقاً، ولسان حال نتينياهو
يقول “قواكم الله يا إخوة المنهج”! حينما يتابع ردّ جيش الإسلام في
سورية على جريمة ذبح جنوده بتفجير رؤوس جنود تنظيم الدولة وفق بروباغندا إعلامية
منافسة.
وتبقى
ممارسات الأنظمة المستبدة أفضل ما حدث ويحدث لمشروع لتنظيم الدولة، فهي إذ تزيد
جرعات العنف والتنكيل على حركات الإسلام السياسي وتضيق على دور الإسلام في الحياة
العامة، إنما تزيد من أعداد مريدي تنظيم الدولة المتطرف أو المتعاطفين معه بأبسط
الأشكال. فتونس تغلق ٨٠ مسجداً بالبلاد كرد فعلٍ على الهجوم الإرهابي على أحد
المنتجعات في مدينة سوسة، والذي راح ضحيته ٣٨ شخصاً، وحكومة مصر (السيسي) تقتل ١٣
قيادياً في جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة إثر أعنف هجومٍ عرفه الجيش المصري منذ
انقلاب يوليو/ تموز ٢٠١٣، شنه مسلحو تنظيم الدولة في سيناء. إجراءات عنفيّة لا
تطبق بحق التنظيم الإرهابي الذي يرفع شعار الإسلام بل بحق أطرافٍ أخرى! الأطراف
هذه في العراق تمثلت ب ٥٠ طفلاً قتلوا بقصف نفذته حكومة “العبادي” على
ملعب مدينة الرمادي. أليس هذا أكثر ما يمكّن التنظيم ويعزّر من خطابه المتشدد؟
تنظيم
الدولة يطرح فلسفة قديمة بإخراج جديد. ورغم سوداويتها، إلا أنها تشكل بديلاً سيئاً
أحمر في عصرٍ يفتقر إلى البدائل الناجحة
تنظيم
الدولة بعد عام أقوى وأوسع وأكثر وحشية. لا بل هو اليوم يطرح إلى السوق فلسفةً
قديمة بإخراج جديد تخترق عقول الشباب على عجل. ورغم سوداوية هذه الفلسفة إلّا أنها
تشكل بديلاً أحمراً في عصرٍ يفتقر إلى البدائل الناجحة عن القيم الغربية التي ذابت
مصداقيتها على مدى عقود من الظلم غير المرفوع عن رقاب الدول والشعوب. فالغرب ما
يزال على سياسة دعم الأنظمة المناهضة لحركات الإسلام السياسي، ولا يهتم بكيفية
وصولها للسلطة، أو بالممارسات الوحشية التي ترتكبها للتشبث بالحكم، ووفق هذا
المعنى سيلقي الشاب المشرقي باللوم على الديموقراطية الغربية، تماماً كما تُلقي
بعض الحكومات باللوم على تعاليم الإسلام إذا ما ارتكب مسلمٌ موتور عملاً إرهابياً
ما.. وهكذا، تبقى أفكار تنظيم الدولة ببقاء الاستبداد، وتسود أفكار هذا التنظيم
بمواصلة الحكومات قمع حركات الإسلام السياسي المعتدلة، ومواصلة الضغط والتضييق على
أبسط مظاهر الإسلام الاجتماعي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث