الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / قطاع الأدوية السورية … تهريب ومافيات وسوق سوداء

قطاع الأدوية السورية … تهريب ومافيات وسوق سوداء

صدى الشام _ عبد الله أسعد/

تميزت الصناعات الدوائية في سورية سابقا بقدرتها على تغطية حاجات السوق المحلية بنسبة 93% باستثناء أدوية السرطان وبعض أدوية الأمراض المزمنة كالغدد. كما أنها استطاعت أن تصدر الدواء إلى 54 دولة، حيث كانت تحتل المرتبة الثانية عربياً بعد الأردن في تصدير الدواء، بصادرات بلغت 305 مليون دولار سنوياً. وقد بلغ عدد معامل الأدوية في سورية نحو 72 معملاً وشركة، ويمكن القول بأنه في عام 1987 دخل القطاع الخاص بقوة في صناعة الأدوية، وذلك بعد تأسيس شركتي “تاميكو والديماس” التابعتين لحكومة النظام في أواخر الستينات، والتي كانت تؤمن 6% فقط من حاجات السوق المحلية. وبحسب ما ذكرته الأمم المتحدة، فقد بلغت القيمة الإنتاجية لهذه المعامل نحو 350 مليون دولار، وأمنت نحو 12 ألف فرصة عمل.

مع بدء الثورة السورية، واشتداد المعارك واتساع رقعتها، تعرضت العديد من المعامل الدوائية -التي تتوزع بشكل رئيسي بين ثلاث محافظات هي حلب 40% وريف دمشق وحمص 60%- للدمار والتخريب والقصف الممنهج، حيث خرج أكثر من 24 معملاً عن الخدمة وأعيد نحو 12 معملاً منها للخدمة مؤخراً، بنسبة إنتاج ضعيفة لا تصل إلى 50%، ولم يبق فعلياً غير نحو 10 معامل تنتج بكامل طاقتها في السوق المحلية، بعد أن كانت معامل حلب وحدها تنتج حوالي 55% من إنتاج الدواء في سورية، وهذا أدى إلى فقدان الكثير من الزمر الدوائية، أخرها كان 12 قائمة تضم الكثير من الزمر الدوائية الهامة.

اضطرت حكومة النظام خلال العام الفائت لاستيراد نحو 20% من حاجتها من الأدوية بعد أن كانت تستورد 7% فقط خلال عام 2010. وتسعى حكومة النظام حالياً لترخيص وإعادة تشييد العديد من معامل الأدوية لسد هذا النقص، ولكن لا تزال هذه المعامل تواجه صعوبات في تأمين المواد الخاصة بالإنتاج نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة على الاقتصاد السوري، وصعوبات الشحن وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، مع صعوبة تصدير المنتجات الدوائية إلى الأسواق الخارجية كما كانت سابقاً، وإحجام الشركات الأوروبية عن التعامل مع المصنعين السوريين لصعوبات التأمين والتحويلات المصرفية.

 

فوضى سوق الدواء في سورية

 

قضية قديمة جديدة لا تزال بين الأخذ والرد حول رفع جديد يطال أسعار الأدوية. فخلال تموز 2015، تم رفع سعر الأدوية في سورية بنحو 50% ولكل الأصناف دون استثناء، ولفت وزير الصحة في حكومة النظام، نزار يازجي، إلى أن قرار رفع أسعار الدواء شائك، وأن سبب إصدار هذا القرار يعود لانقطاع ما نسبته 40% من الأدوية من الصيدليات نتيجة ارتفاع تكاليف إنتاج هذه الأدوية. في حين عزا نقيب الصيادلة محمود حسن الحسن قرار تعديل سعر الدواء الوطني بما يعادل 50% إلى إعادة دراسة التكلفة الإنتاجية، بحيث يتمّ تعويض جزء ولو بسيط من خسائر القطاع ولتبقى صناعة الأدوية رائدة بسعرها الرخيص ونوعيتها وجودتها العالية، في وقت يجب ألا يفقد المواطن أية زمرة دوائية من السوق المحلية ويضطر إلى تأمينها بطرق غير نظامية وبأسعار مضاعفة عن طريق التهريب…طبعاً هذه التصريحات لم تطبق بل بقيت على الورق، والمواطن السوري لم يلمس أي تحسن في سوق الدواء بل ذهبت زيادة أسعار الأدوية لجيوب شركات الأدوية فقط، وإليكم التوصيف الدقيق لسوق الدواء حالياً.

فقدان وارتفاع في الأسعار واستعار للسوق السوداء، هذا هو حال سوق الأدوية في سورية حالياً، حتى أن المرضى اضطروا للجوء إلى السوق السوداء لشراء أدويتهم بأسعار جنونية زادت من معاناتهم المادية والصحية، وخاصة الأدوية المزمنة، التي باتت تجارة رائجة، عدا عن دخول الكثير من أصناف الدواء المهرب إلى الأسواق وانتشارها في الصيدليات دون رقابة جدية تحد من انتشارها، وهذا ما أكده خالد، وهو صيدلاني يعمل في ريف دمشق، حيث أشار في تصريحه لـ”صدى الشام”، أن هناك فقدان ليس بقليل من الزمر الدوائية وخاصة بما يتعلق بأدوية الأمراض المزمنة مثل “أدوية الأعصاب ـ القلب ـ السكري ـ الربو ـ وبعض أصناف أدوية الأطفال ومضادات الالتهاب”، مشيراً إلى أن السبب في ذلك هو توقف معامل الأدوية المحلية عن إنتاج هذه الأدوية كونها مكلفة جدا، في حين أن حكومة النظام لا تؤمن هذه الأدوية إلا عبر مراكزها فقط، وهي غير متوفرة بشكل دائم للمرضى.

ونوه الصيدلاني إلى أن كل العوامل السابقة دفعت بالمرضى لشراء الأدوية من السوق السوداء التي تأتي أدويتها عبر لبنان والأردن، بأسعار تقدر بثلاثة أضعاف سعرها في سورية، عدا عن عدم ضمانة هذه الأدوية، من حيث تركيبتها أو صلاحيتها، كونها لا تخضع للرقابة الصحية ودخلت تهريباً إلى سورية، مشيراً إلى أن ذلك طال أيضاً أدوية الأطفال وخاصة مع فقدان العديد من أنواع اللقاحات في المراكز الصحية، مثل لقاح الربو، الذي يصل سعره حالياً إلى نحو 25 ألف ليرة في حال أراد المواطن أن يشتريه من السوق اللبناني، ويأتي به إلى سورية ليلقح ابنه حديث الولادة، وهذا الأمر يعرض الأطفال أيضاً للخطر كون هذه اللقاحات قد تتعرض للتلف لطول المسافات، فهي تحتاج إلى شروط تخزينية معينة.

وحاليا، بدأت شركات الأدوية بالمطالبة برفع أسعار الأدوية مجددا، وذلك لنفس الحجة السابقة، “لكي توفر الأدوية في الأسواق”، أي أن السيناريو يتكرر.

بالمقابل، صرح باحث في شؤون الصحة، لـ”صدى الشام”، أن معامل الأدوية في سورية تخلت عن أخلاقيات عملها ومسؤولياتها الاجتماعية تجاه المجتمع السوري، فهي رفعت أسعار الأدوية بنسبة 50% سابقاً، مع الإشارة إلى أن الكثير من الأدوية رابحة بنسبة لا تقل عن 100 بالمئة، متسائلاً: “هل يعقل أن تستمر شركات الأدوية في الإنتاج إذا كانت خاسرة؟”..مشيراً إلى أنه لا شك أن أسعار الصرف ارتفعت وهذا يرفع من تكاليف الإنتاج ولكن ليس لدرجة رفع أسعار الأدوية بنسبة 50% والمطالبة برفعها مجدداً”، مؤكداً، أن “شركات الأدوية رابحة، وأن ارتفاع أسعار الصرف قلل من هوامش أرباحها الضخمة لذا اعترضت الشركات وطالبت برفع سعر الأدوية مرة أخرى، كما أن شركات الأدوية خفضت كميات الأدوية التي تنتجها ضمن العلبة الواحدة، فمثلاً علبة دواء الالتهاب كانت تحوي على 20 مضغوطة، أما حالياً فهي لا تحوي إلا على 10 مضغوطات وبسعر مضاعف عما كان عليه سابقاً، أي أن شركات الأدوية حققت أرباحاً مضاعفة بتخفيض الكميات وزيادة السعر، ورغم ذلك وتطالب “بكل عين وقحة” بزيادة أسعار الأدوية ضاربة بعرض الحائط الحالة الاقتصادية المتردية لجميع طبقات المجتمع السوري وصعوبة تأمين لقمة عيشهم اليومية وأدويتهم المزمنة التي باتت أسعارها تأكل الأخضر واليابس”.

 

وأشار الباحث الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن رفع أسعاره الأدوية أكثر من مرة يعني تعريض حياة آلاف المرضى للخطر، لأنهم لن يستطيعوا شراءها. وأضاف: “رغم ارتفاع أسعار الأدوية المحلية وفقدان العديد من الزمر فقد زاد من المعاناة أن الأدوية نفسها فقدت أثرها، أي أنها باتت دون فاعلية حقيقية، فهل يتم تصنيع هذه الأدوية وفق المواصفات القياسية المحلية والعالمية؟”.

 

فساد مكشوف وصريح

في حال عدنا إلى العام الماضي، فقد أكد مسؤول في حكومة النظام، (رئيس لجنة الإدارة المحلية والخدمات في مجلس الشعب صفوان القربي)، أن هناك أيادٍ غير نظيفة تحاول عرقلة سير إنتاج الدواء الوطني بهدف استيراد الدواء الأجنبي، وبذلك يستنفد القطع الأجنبي. أيضاً وزير الصحة في حكومة النظام نزار يازجي، أكد وجود مافيات دوائية تلعب دوراً في أسعار الأدوية، كاشفاً عن أن الوزارة ضبطت العديد من الأشخاص وأن لديها أرشيفاً كاملاً حول هذا الموضوع.

وهنا نصل إلى نتيجة أن هناك “مافيات” تتحكم بسوق الأدوية، وطبعاً هذه المافيات لن تستطيع أن تمارس دورها إلا بدعم من قبل بعض المتنفذين، وهو ما يؤكده أن عضو مجلس الشعب في حكومة النظام لم يفسر من هم أصحاب هذه “الأيدي” التي تتحكم بسوق الدواء، وأيضاً وزير الصحة في حكومة النظام يؤكد أن هناك أرشيفاً كاملاً حول المافيات…أي باتت الأمور على المكشوف في حكومة النظام، دون أي حسيب أو رقيب، ما ينذر بأن سوق الدواء السوري في طريقها إلى الأسوأ مع قادم الأيام.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *