نبيل شبيب
نواجه “عدوا
يتقهقر” وليس “عدوا لا يقهر”.. ولا ينفي ذلك حاجتنا الآن إلى رؤية
استراتيجية حديثة ذاتية، قادرة على دفع عجلة التغيير قدما.
وليس
المقصود بالعدو (في هذه العبارة من المقال السابق)، “بقايا النظام الأسدي” فقط،
فخسارتها على الأرض تعني خسارة داعميها، وتقدم الثوار يجري رغم أطراف دولية لا
تريد أن يتحقق هذا التقدم، بل تعمل من أجل وضع آخر بعد الاستبداد الأسدي لا ضمان
فيه لعدم نشأة استبداد جديد، أي لا ضمان لتحقيق أهداف الثورة في التحرر والكرامة
والعدالة وما يتبع لها.
هذا
ما يضاعف المسؤولية الآنية في وضع “رؤية استراتيجية” متوافق عليها، على
محورين، الأول إيجاد معطيات على الأرض تشمل تغييب الثغرات أمام استبداد داخلي
وهيمنة أجنبية، والثاني بذر الشتلات الأولى وتمكينها من التنامي والتقوية نحو
التغيير المطلوب، بمنظور المستقبل القريب والبعيد.
ولا
شك في وجود عقبات خارجية ضخمة، إقليمية ودولية، مثلما كان عند انطلاق المظاهرات
السلمية الأولى.. وقد انطلقت رغما عنها، بل قد تكون العقبات المضادة الآن أكبر
وأعنف، ولكن تحديات الثورة الآن أقوى أيضا مما كانت في حينه عبر المظاهرات السلمية
وحدها. ولا بدّ لأي “استراتيجية” أن تضع في حسابها مواجهة العقبات،
فمعيار نجاحها هو تحقيق الأهداف القريبة والبعيدة “رغم” عقبات لا تزول
من تلقاء نفسها.
أول
خطوة هي التخلص من نقاط ضعفنا الذاتية، والمهم منها هنا ما حال دون مواكبة الثورة
الشعبية بوضع “استراتيجية ثورية شاملة”. ويمكن إجمال ذلك في بندين اثنين:
١-
الخلط الكبير بين أهداف قريبة يسهل توحيدها وأهداف بعيدة لا ضير في الاختلاف حول
تفاصيلها، إذا تقرر تأجيل “التنافس” بصددها. هنا بالذات تجاوز الشعب
الثائر جميع ما يوصف بالنخب والقيادات، فوضع عبر مظاهراته السلمية وتضحياته
وشعاراته التلقائية إطارا واضحا للأهداف القريبة، فكان عنوانها الأول “الشعب
السوري واحد”، وكان عنوانها الثاني مبادئ لا يختلف على تبنيها عاقلان:
“الكرامة والحرية والعدالة والأمن والتقدم والإنسان”. بينما دخلت “النخب
والقيادات” في متاهات مفرقة، عبر “التشبث المبكر” باتجاه عقدي،
علماني أو إسلامي، وبنهج تعميمي سياسي ذاتي، لدولة جديدة.. مازالت في علم الغيب.
لم
يكن تعدد الاتجاهات إشكالية، فهو معروف، ولكنه أصبح مدمرا بتحويله إلى “شرط
مسبق” للتعاون على رؤية مشتركة وعقود ملزمة، تخدم المسار حتى تحقيق الهدف
الأول، وتضع الأسس الأولى لقواعد التعامل المطلوب دون سقوط انتحاري في نزاع أو
اقتتال.. في اليوم التالي للنصر.
٢-
تشبث كل فريق منفرد بجمع المهام “التخصصية” بين يديه، سياسة وقتالا
وفكرا وإغاثة.. أي محاولة إخضاع كل شيء (كأي نظام استبدادي) لرؤيته وتوجهاته ولإمكانات
“محدودة” لديه. فكان الإخفاق محتما، وكان تدافع المسؤولية سريعا يبعثر
قوى الثورة، العسكرية والسياسية والفكرية والتمويلية. وفي مقدمة النتائج، حرمان الإنجاز من التخصص والكفاءات، وجعله
ساحة مناسبة لانتشار الفساد، بل سبب صراع واقتتال أحيانا، بدلا من ساحة تخصص
وتكامل، لتعاون قائم على معيار “ثورة شعب واحد من أجل دولة دستورية قادمة في
الوطن المشترك”.
وأخطر
ما أوصل إليه ذلك “التشبث الانفرادي.. بالعجز” هو اضطرار الفريق الواحد،
الضعيف بالضرورة، إلى الاستقواء منفردا بجهات خارجية، أي بفتح الأبواب على
مصراعيها أمام التفرقة الداخلية تحت تأثير هيمنة أجنبية، وهو ما يضعف مصداقية
الجميع. فتحرير سورية من
الاستبداد المرتبط بهيمنة أجنبية يستحيل تحقيقه في أنفاق نفوذ أجنبي من شأنه أن
يصنع شكلا بديلا للاستبداد المحلي.
صحيح
أن الكلام في هذين البندين الآن هو من قبيل الحديث عما بات “معروفا”
لأنه تحول إلى واقع سلبي يعاني جميع الأطراف منه، ولكنه أصبح “جائزا”
لأنه يعبر عن اقتناعات مشتركة، فلا يزيد الصراع اشتعالا، وأصبح واجبا ضروريا أيضا
لأنه المدخل للتخلص من وباء “تدافع المسؤولية” في حضرة التضحيات البطولية
والمعاناة الشعبية المؤلمة.
بقدر
ما نحقق ذلك نقترب من إزالة نقاط الضعف التي عايشناها لأكثر من أربع سنوات داميات.
وقد بات الامتناع عن بذل الجهد الجاد للتخلص منها أقرب إلى “خيانة الثورة
وشعبها”، ؤهو أيضا “انتحار ذاتي”، لأن “مصيرنا في سورية
مشترك” سواء اتفقنا.. فيصبح مشتركا مقبولا ومطلوبا، أو اختلفنا.. وسيكون
آنذاك مصيرا مشتركا قاتلا. وهذا ما لا يقف عند حدودنا الوطنية السورية قطعا.
كذلك،
فالتخلص من وباء “تدافع المسؤولية” شرط أساسي لأولى خطوات التحول من
“أعمال ثورية متفرقة” وبالتالي “عشوائية”، تحقق الانتصارات
والنكسات، والبطولات والمآسي، إلى “عمل ثوري استراتيجي مشترك” يضاعف -إن
تحقق- احتمالات النصر المشترك، ويرسخ الاطمئنان لمستقبل أفضل، مع ترجيح أن يصبح
مستداما في دولة حرة مستقرة.
السؤال
الأهم بطبيعة الحال هو: كيف؟ أو ما هو قالب العمل المطلوب عبر هيكلية
“التلاقي الثوري السياسي” الحاضن لعمل تخصصي؟ هذا ما يراد الإسهام في طرحه
بعون الله، في الحلقة الثالثة التالية والأخيرة من هذه المقالات الموجزة نحو
استراتيجية شاملة وفاعلة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث