مصطفى محمد- حلب
يستحيل تخيله؛ فمن نجى من الجرحى لا يبعد الموت عنه إلا قليلا. وذلك بسبب استهداف
قوات النظام للمشافي والنقص في عدد الأطباء، الذين تمت ملاحقتهم من النظام ومن بعض
الفصائل الأخرى. ناهيك عن النقص في المحروقات، الذي أدى إلى انقطاع الكهرباء، مما
جعل المرضى يشعرون وكأنهم بالعصور الوسطى؛ فمن مرض يتوجب عليه انتظار الموت.
صاغية لدى النظام السوري. فقد حرص الأخير، ومنذ أن قرر خوض حربه ضد الشعب الذي لم
يطالب إلا برفع سقف الحريات الممنوحة له قليلاً، على استهداف كل أشكال الحياة في
المناطق الخارجة عن سيطرته، بدءاً بتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها من المدنيين، إلى
استهداف المدارس ودور العبادة والأسواق، وصولاً إلى ضرب المرافق الصحية والنقاط
الطبية التي أقيمت على عجل في تلك المناطق.
وأدى هذا الاستهداف الممنهج من قبل سلاح الجو
التابع للنظام، للمرافق الصحية في مدينة حلب، إلى إصابة المنظومة الصحية، الهشة
أصلاً، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بشلل شبه تام أصاب أغلب مراكزها. وهي
التي كانت تعاني أصلاً من نقص في عدد الأطباء، وغياب شبه تام لبعض التخصصات
النوعية، فضلاً عن مشاكل التمويل، وعدم تحييد المشافي من قبل بعض الفصائل
المتواجدة في تلك المناطق.
نيسان
الدامي
وثق ناشطون ثوريون من أبناء مدينة حلب استهداف
سلاح الجو للنظام ثمانية مشاف ميدانية خلال شهر نيسان الماضي، في مدينتهم. كان
آخرها ذلك الاستهداف الذي تعرض له مشفى دار الشفاء ببرميلين متفجرين صبيحة العاشر
من نيسان. يقع هذا المشفى في حي الشعار، وهو حي من الأحياء الشرقية للمدينة، ما
أسفر عن ضحايا وجرحى. كما خروج المشفى، الذي يعتبر الأكبر في المدينة، عن الخدمة.
ما حذا بالناشطين إلى اعتبار العمليات التي تستهدف المشافي عملاً ممنهجاً هدفه
القضاء على آخر أشكال الحياة في المدينة من قبل النظام.
وتزامن هذا الاستهداف المباشر من النظام، مع
استهداف غير مباشر من قبل تنظيم الدولة، وذلك حين عمد الأخير إلى إحكام حصار نفطي على
المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في المدينة وأريافها. وهو ما فرض واقعاً صعباً
على عمل هذه المشافي، التي تم العمل على ترميمها وإعادتها إلى العمل.
نداء أخير
طارق نجار، المدير الإداري لمشفى الحرية
الميداني، والمسؤول الصحي للريف الشمالي لمدينة حلب ككل، ناشد كل المعنيين
والمهتمين بالشأن الصحي بأن يتداركوا حال المشافي الميدانية قبل اضطرارها للخروج
عن الخدمة بسبب غياب المحروقات اللازمة لتوليد التيار الكهربائي.
وقال نجار في حديث خاص بـ”صدى الشام”:
“أمامنا أسبوع واحد قبل الخروج الكامل لأغلب المشافي عن الخدمة. الحقيقة
الراهنة تقول إننا خرجنا عن الخدمة، لأن أغلب المشافي تعمل وفق مبدأ التقنين، وهذا
المبدأ يتعارض مع مبدأ الطب بشكل كامل. ولكن ليس بالإمكان أفضل مما كان”.
وأضاف: “الأطباء والممرضون آثروا البقاء في
هذه المشافي رغم القصف وضعف الأجور التي يتقاضونها إن وجدت، وفضلوا مجابهة الأخطار
في سبيل تأدية واجبهم الإنساني. ولكن في ظل غياب التيار الكهربائي، يصبح وجود
الكثير منهم بلا طائل، وخصوصاً في أقسام حواضن الأطفال والغرف الإنعاشية والمخابر،
وأقسام التصوير الطبي على اختلاف أنواعها”.
وأوضح نجار: “وصل سعر الليتر الواحد من
مادة المازوت إلى حوالي 400 ليرة سورية، وهذا ما أضاف إلى مشاكلنا التمويلية مشاكل
أكبر. كما أثر الاستهداف المباشر للمشافي على قرارات بعض الأطباء، فالكثير منهم غادر
البلاد مؤخراً”.
بدوره، أشار الصيدلي زكريا حيدري، مسؤول
المستودع الصحي في أحد مشافي المدينة، إلى خطورة المنظومة التخزينية للأدوية في
عموم المشافي الميدانية. وأوضح: “نواجه صعوبات كثيرة في تأمين شروط التخزين
لبعض الأدوية وأكياس الدم. ولذلك فإن الأمر يزداد تعقيداً؛ فالمحروقات في ارتفاع،
والكهرباء مقطوعة عموماً”.
نقص في اختصاصات نوعية
وأرقام كارثية
لا تقتصر معاناة المراكز الصحية على غياب التيار
الكهربائي. فمن جهة أخرى، تعاني هذه المشافي المنتشرة في عموم المناطق الخارجة عن
سيطرة النظام في المدينة وريفها، والبالغ عددها حوالي 20 مركزاً صحياً، من غياب
الأطباء ذوي التخصصات النوعية. وعلى سبيل المثال، لا يتواجد في عموم المدينة
حالياً ولا حتى طبيب واحد مختص في الجراحة العصبية.
يوضح الطبيب عبد السلام ضعيف، رئيس المكتب الصحي
في مجلس محافظة حلب الحرة، هشاشة بنية المنظومة الصحية في المدينة بالقول:
“يعمل الطبيب في أكثر من مركز صحي، وذلك في محاولة منه لسد النقص الحاصل.
وكثير من الأطباء يعمل في غير اختصاصه، وفق ما تفرضه الحالة الإسعافية. أي من غير
الممكن أن يتغاضى الطبيب عن حالة إسعافية أمامه لأنها خارج تخصصه الطبي، بالتالي فإن
هذا يولد الضغط لدى الكثير من الأطباء”.
“ليس هذا فحسب”، يضيف ضعيف في حديثه
الخاص بـ “صدى الشام”: “التخصصات النوعية، مثل الجراحة الصدرية
والعصبية والوعائية، غير متوفرة بشكل كامل في كل مشافي المدينة. وحتى إن تواجد
الطبيب، فلا يتوفر لدينا معدات طبية لهذه الحالات”.
ووفق ضعيف، فإن عدد الأطباء المتواجدين حالياً
في المدنية برمتها، لا يتجاوز الـ 50 طبيباً من كافة الاختصاصات. في الوقت الذي
تقدر فيه أعداد المدنيين المتواجدين في المدينة بحوالي 400 ألف نسمة. وفي حال
تقسيم عدد الأطباء على كثافة السكان، فإن النتيجة سوف تفضي إلى كارثة طبية غير
مسبوقة عالمياً، وفق تقديره.
للمدنية، وبحسب ضعيف أيضاً، فإن عدد الأطباء المتواجدين هنالك يصل لحوالي 20
طبيباً فقط، في الوقت الذي يقدر فيه عدد السكان بحوالي 200 ألف نسمة.
القسم
الطبيب منير عروق، عضو مجلس نقابة أطباء حلب،
قرر مغادرة البلاد بشكل نهائي في آواخر العام 2013، بعد تعرضه لمضايقات أجهزة
النظام السوري بعد أن طرح في بداية الثورة مبادرة بمسمى “أطباء تحت
القسم”، هدفها تحييد عمل الأطباء في كل جغرافية المدينة.
يروي عروق حكايته حينها بالقول: “في بداية
المظاهرات أطلقنا نحن، مجموعة من الأطباء، مبادرة لتحييد الأطباء. لأن عملنا يحتم
علينا تقديم الخدمة الطبية للمحتاج، بغض النظر عن خلفياته السياسية. وأستطيع أن
أجزم أن أغلب أطباء حلب في تلك الفترة كانوا يدعمون التظاهر. ولكننا فوجئنا بردة
فعل النظام، وذلك عندما تم استدعاؤنا إلى فرع الأمن العسكري للتحقيق بتهمة دعم
التظاهر”.
ويضيف عروق، طبيب الأطفال، في حديثه لـ”صدى
الشام”: “لقد كان أطباء حلب سباقين في دعم الثورة؛ فالطبيب صخر حلاق من
أوائل ضحايا التعذيب، وكذلك الطبيب عبد الباسط عرجة. ومنذ ذلك الحين بدأ الأطباء
بمغادرة البلاد لأن الأوضاع بدأت تتردى، وبدأت تتجه للأسوأ”.
هذا في مناطق سيطرة النظام، أما في مناطق سيطرة
المعارضة فكان ظهور تنظيم الدولة، وفق رأي عروق، القشة التي قصمت ظهر البعير، خصوصاً
بعد حوادث الاغتيالات التي تعرض لها بعض الأطباء في المناطق المحررة. وهو ما حذا
بالكثير من الأطباء لمغادرة البلاد بشكل نهائي.
هذه الهجرة حرمت الكثير من المواطنين من حقهم في
الحصول على الخدمة الصحية، وساهمت في تردي الأوضاع الصحية، وجعلت الكثير من هؤلاء
يلجأ إلى التداوي بطرق بدائية، من بينها اللجوء إلى أطباء الأعشاب، أو ما يعرف
بالطب البديل.
التحييد
مطلوب
“نعمل تحت ضغط القصف، وبأجور متدنية، ومع
هذا نحن في الدائرة الأولى للاستهداف من قبل الفصائل التي قد لا نوافقها في الفكر
فقط”، يقول أحد الأطباء، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه. ويضيف: “التحييد
مطلوب. لا نستطيع مطالبة النظام بذلك، لكننا بالتأكيد نستطيع مطالبة الفصائل
الثورية به. وهذا يعتبر من مصلحتهم بالضرورة؛ فهم يريدون ضمان تقديم الخدمة
الصحية، ونحن نريد أن نكون خارج خلافاتهم السياسية والفكرية فقط”.
أما بشأن النقص الحاصل في المحروقات والدعم،
فرأى نفس الطبيب أن هذا النقص ليس بجديد. مشيراً إلى أن التضييق بدأ منذ بداية
الثورة، وهو مرافق لعمل الأطباء على كل الجغرافيا السورية.
وكان كارلوس فرانسيسكو،
رئيس بعثة منظمة “أطباء بلا حدود” في سورية، قد دعا كل الأطراف المتحاربة
إلى احترام المدنيين والمرافق والطواقم الطبية بموجب القانون الإنساني. معتبراً أن
هذه الهجمات غير مقبولة”.
وأكد خلال مؤتمر صحفي عقده منذ أيام قليلة، تلقي
منظمة “أطباء بلا حدود” تقارير تفيد بتنفيذ النظام السوري هجمات على
المشافي في كل الأراضي السورية، من بينها ستة مشافٍ في مدينة حلب لوحدها في شهر
أيار الحالي فقط.
عجز في
مديرية الصحة
تماشياً مع عجز أصاب الحكومة السورية المؤقتة
مؤخراً، بعد غياب التمويل عنها، يمتد هذا العجز إلى معظم الهيئات والتشكيلات
التابعة لها في الداخل. وكانت مديرية صحة حلب الحرة في عين العاصفة؛ فالتمويل غائب
عن المديرية بشكل كامل، والخلافات تتزايد بينها وبين بعض الجهات القضائية في
المدينة.
مصدر مطلع من داخل المديرية، عزا هذه الخلافات،
إلى اختلاف التيارات السياسية داخل المديرية. وأوضح لـ”صدى الشام”، بعد
أن طلب عدم الكشف عن اسمه، أن الخلاف الذي دار مؤخراً حول رئاسة المديرية يعود إلى
عدم اتفاق التيارات السياسية، والدينية تحديداً، على طرح اسم مرشح وحيد
للرئاسة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث