الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / الليرة السورية بين المظهر الحضاري والتدمير الممنهج

الليرة السورية بين المظهر الحضاري والتدمير الممنهج

د.رفعت عامر

تم يوم الثلاثاء
بتاريخ 30-6-2015، طرح إصدار جديد للورقة النقدية من فئة ألف ليرة سورية. ادعى
النظام، على لسان حاكم مصرف سوريا المركزي أديب ميالة، أن “طرح الأوراق المالية
الجديدة يأتي في سياق التحسين المستمر لميزات الأوراق النقدية المطروحة في التداول،
بما يعكس المظهر الحضاري والتاريخي لسورية ويساهم في الحفاظ على سلامة الأوراق
النقدية السورية وحمايتها من التعرض للتلف نتيجة كثرة التداول”.

من يسمع هذا
التصريح يعتقد للوهلة الأولى أننا في دولة شبيهة بسويسرا، فيها استقلال للمصرف
المركزي عن السلطات التنفيذية حيث تتخذ فيه السياسات النقدية بمعايير فنية بحتة
بناء على أوضاع سوق النقد (العرض والطلب على العملة المحلية)، بما يلبي الأهداف
الاقتصادية للبلاد التي تعتبر السياسات المالية والنقدية إحدى أهم أدواتها. وقد
تجاهل السيد ميالة القول بأنن من يحكم سوريا هو زعيم مافيا وليس رئيس دولة، وجل همه
هو كيف يستخدم ثروات البلاد وطاقات أبنائه للاستمرار في الهيمنة والاستلاء على
السلطة. ولو كان يهمه المظهر الحضاري والتاريخي، كما يدعى، لطلب من سيده التوقف عن
تدمير المعالم الأثرية لسوريا، الموجودة على الأرض وليس على الورق، من قلاع وأوابد
وأسواق. فليس هناك في سوريا من محافظة خلت من هذا التخريب والتدمير الممنهج تبعاً لشعار
“الأسد أو نحرق البلد”، بما فيها التاريخ ومعالمه. وليس آخرها في محافظة
السويداء، التي لم يصبها التدمير المادي، فسارع إلى نهب كنوزها وموجوداتها
التاريخية من المتحف الوطني، وآخرها نسف وحرق ونهب موجودات مدينة تدمر الأثرية،
بالتنسيق مع شريكه “تنظيم داعش”. ولسنا هنا بصدد ذكر تاريخ النهب للكنوز
والتحف الأثرية على يد رفعت الأسد، نائب الأسد الأب، على مدار عشرين عاما من وجوده
في السلطة.

لقد كان واضحاً،
وأمام أنظار العالم، كيف قام النظام بتدمير سوريا وإفقارها والعودة بها إلى ما قبل
التاريخ والدولة. فهل يستقيم هذا الشعار الحضاري لميالة على الورق مع ما يفعله
نظامه على الأرض؟

أما فيما يخص خوف
النظام على سلامة الأوراق النقدية وحمايتها من التعرض للتلف نتيجة كثرة التداول، فالغريب
أن نجد هذا الحرص والشغف على أن تكون الليرة بيد السوريين جديدة ناعمة كجمال
ونعومة هذا النظام. وقد يتحفنا ميالة في إصدار جديد معطر بالبارفان الفرنسي، كون
زوجة رئيس العصابة مولعة بالموضة والعطور الفرنسية. فكان الأولى أن تحمل هذه ألف
الجديدة قدرة شرائية، وتعكس حاجة الطلب عليها في السوق نتيجة الزيادة في الإنتاج
وسرعة تداول النقد، وليس الترويج لمرحلة جديدة لم يعد يستطع النظام فيها الإنفاق
من الاحتياطي النقدي في البنك المركزي، الذي حول موجوداته إلى بضعة ملايين من
الدولارات بعد أن كانت 18 مليار دولار عام 2011. ولم يعد يستطيع الاعتماد فقط على
الدعم المالي الإيراني، الذي رهن الأسد مقابله أغلب موجودات المؤسسات الحكومية
السورية.

ولكم هذه
المقارنة للحكم على مسار الليرة السورية: في خمسينيات القرن الماضي قبل استلاء
البعث ومن ثم آل الأسد على الحكم في سوريا، كان الدولار يساوى 3 ليرات، أي أن ألف
ليرة سورية وقتذاك كانت تساوي 333 دولارا، وبعد حكم آل الأسد وصل الدولار عام 2011
إلى 50 ل.س، أي أن ألف ليرة سورية تساوي 20 دولارا. وفقط بعد أربع سنوات ونيف وصل
الدولار الواحد إلى 300 ل.س؛ أي أن الألف ليرة ذات الوجه الحضاري والتاريخي أصبحت
تساوى الآن 3.33 دولار.

يقول حال المواطن
السوري على أنه ليس متضررا أبدا من استخدامه لقطعة ورقية قديمة، فقد استمرت
الليرات السورية بقدمها ومظهرها المقزز بحكم وجود صورة الأب ومن ثم الابن عليها طويلا،
ولم يتضرر كما هو متضرر الآن. ولم يخطر على بال النظام آنذاك، مراعاة هذا المظهر. وإذا
كان من واجبنا كمواطنين الافتراض بأن ما يدعيه حاكم المصرف المركزي ميالة صحيحاً
في أن الكميات الجديدة الصادرة من قطعة الـ 1000 ليرة تساوي كمية التالف منها في
السوق، نقول له: من المنطقي في هذه الحالة ألا يحدث تضخم. ولكننا نردف له قائلين:
كان يمكن لنا الوثوق بذلك لو رأينا وضع الليرة السورية في تحسن، والنظام يخضع لكل
الضوابط النقدية التي يدعيها والمتعارف عليها دوليا. لكننا أصبحنا نتوقع دائما عكس
ما يقوله، فكل خيوط الثقة بكم مقطوعة. صحيح أنه سيبدل القديمة منها بجديدها، ولكن
تحت هذا العنوان هناك كميات أخرى زائدة عن الموجود منها في السوق ستطرح، وسيكون الدليل
على ذلك التضخم الذي سيرافق هذا العملية.

لقد تناسىَ هذا
الحاكم للمصرف أن المواطن السوري بالأصل لا يثق بهم ولا يثق بليرة يستخدمها النظام
في حربه على قوت ولقمة عيش مواطنيه. وعندما يتوفر فائض من الليرة لدى المواطن
السوري يدرك بحواسه أن المطلوب تحويلها إلى دولار، وإن كان الدولار عملة الدولة
المتعارضة مصالحها مع مصالح الشعب السوري تاريخياً. ولكن المواطن يدرك أيضاً هذا
أن العدو أصبح أرحم من هذا النظام. ومهما أطلقوا من شعارات حضارية رنانة، لن يزيد
ذلك إلا الشك وعدم الثقة بهم وبكل الأدوات التي يستخدمونها. وإننا على قناعة بأن الإصدار
الجديد هو بداية للترويج لتحولات جديدة سيشهدها سوق النقد والليرة السورية، يعتمد
فيها على التمويل بالعجز بالدرجة الرئيسية. ومن الواضح أن هناك توجه للمصرف بطباعة
ورقة نقدية جديدة من فئة 2000 ل. إصدارات جديدة ضرورية من أجل مجاراة التضخم
الهائل الذي تجاوز 300%، وسيتحفنا عندها ميالة بتصريح جديد عن وجهوه حضارية
وتاريخية أصبحت غير موجودة بسبب تدميرها من قبل الأسد.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *