الرئيسية / رأي / المهزومون

المهزومون

صدى الشام _ ثائر الزعزوع/

 

تابعت شأني شأن الملايين حول العالم، حفل افتتاح أولمبياد ريو دي جانيرو في البرازيل، والذي كان حفلاً مذهلاً بكل معنى الكلمة، في كل شيء؛ الموسيقا، الاستعراضات، والأهم من ذلك هو الأفكار والتي تدعو إلى التصالح مع الطبيعة وإنقاذ كوكب الأرض من التلوث والتصحر الذي يصيبه، وقد وزعت على الرياضيين المشاركين في الأولمبياد بذورا لنباتات تم زرعها، ويتوقع أن تكون بعد سنتين حديقة كبيرة، وهذه رسالة أخلاقية وإنسانية مهمة برأيي.

طبعاً شاركت جميع الدول العربية بوفود رياضية في الأولمبياد، بل حتى أن نظام دمشق أرسل وفداً رياضياً مؤلفاً من خمسة أو سبعة رياضيين لا أذكر، كما شارك السباحان السوريان يسرى مارديني ابنة التسعة عشر عاماً، ورامي أنيس في فريق اللاجئين الذي يشارك للمرة الأولى في الأولمبياد، ويضم عشرة رياضيين من مختلف دول العالم. وقد سلطت الأضواء على يسرى مارديني أكثر من غيرها عبر وسائل الإعلام العالمية كونها أصغر المشاركين في فريق اللاجئين، وهي صاحبة قصة خاصة، فقد سبحت مع شقيقتها ساعات حين كان المركب الذي تستقلانه يعبر بهما بحر إيجة باتجاه الشواطئ اليونانية، وقد قررت يسرى وشقيقتها السباحة كي تتمكنا من تخفيف الحمولة على المركب كي ينجوا بقية اللاجئين. ورغم أن الكثيرين وأنا واحد منهم قد أملنا أنفسنا بأن تفوز يسرى بميدالية أياً يكن نوعها، لتكون بمثابة صفعة على وجه نظام دمشق ورياضييه الذين جيء بهم بالواسطة كما نعلم جميعاً، ولتكون رسالة للعالم المتعصب والمتطرف الذي يعادي اللاجئين ويصفهم بصفات سيئة، ويتهمهم بأنهم إنما جاؤوا إلى أوروبا أو أميركا للتخريب والتدمير، كما فعل منذ أسابيع المرشح الجمهوري دونالد ترامب وكما فعلت وتفعل السياسية الفرنسية اليمينية المتطرفة مارين لوبان، وغيرها من السياسيين سواء في ألمانيا أم في بريطانيا أم في سواها من الدول التي وصل إليها اللاجئون، لكن يسرى مارديني نفسها قللت من احتمال فوزها بميدالية في مشاركتها الأولى لأنها لم تتلق تدريباً كافياً يؤهلها لمنافسة رياضيين تم إعدادهم جيداً من قبل دولهم التي تحرص كل الحرص على المشاركة لا لمجرد المشاركة كما تفعل دولنا العربية، بل لأجل الفوز، الانتصار، رفع علم بلدهم في منافسة شريفة تجرى كل أربع سنوات، الفوز بميدالية ذهبية بالأولمبياد كما فعلت مرة ومنذ سنوات، البطلة السورية غادة شعاع.

قد ينظر البعض إلى هذا الكلام على أنه رفاهية في غير موضعها، خاصة في ظل المأساة التي تعيشها سوريا، لكني أفضل التفكير بالمستقبل، التفكير بالرياضة بصوت مرتفع إذا أحببتم، لأن الرياضة قد تشكل رسالة سلام ومحبة بين قلوبنا المتباغضة والتي تسكنها الكراهية والأحقاد.

من بين الفرق المشاركة في الأولمبياد منتخب العراق لكرة القدم والذي قدم عرض جيداً نسبياً وخاصة أمام منتخب البرازيل بنجومه العالميين المحترفين في دوريات كبرى، وفي مقدمتهم نجم برشلونة الإسباني نيمار، وما يهمني في منتخب العراق أنه منتخب ضم عراقيين من طوائف مختلفة وقوميات مختلفة فهو ليس عربياً ولا كردياً ولا سنياً ولا شيعياً، بل منتخب عراقي لعب بمثابرة لأجل تحقيق إنجاز ما كما فعل في أولمبياد اليونان عام 2004، حين وصل إلى المرتبة الرابعة، ولم يسأل أحد من الذين تابعوا المباريات التي خاضها المنتخب العراقي أمام  الدانمارك والبرازيل وجنوب أفريقيا عن طائفة أو قومية اللاعبين بل إنه منتخب يوحد العراقيين، في الوقت الذي فرقتهم فيه السياسة والتبعية ومزقتهم وحولتهم إلى متناحرين متقاتلين…

دعوني أرجع الآن إلى فكرة المهزومين، لأن سباحاً أميركياً واحداً يدعى مايكل فيليبس حاز من الميداليات الذهبية ما حاز عليه العرب منذ بداية مشاركتهم في الأولمبياد قبل مئة عام تقريباً، وقد سافر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى الصين عام 2008 ليقوم بتشجيع مايكل فيليبس، وهو يعتبر بطلاً قومياً في بلاده، كما يعتبر لاعب التنس الإسباني رافائيل نادال بطلاً قومياً في بلاده، وكما صار العداء الجامايكي أوسين بولات بطلاً قومياً في جامايكا، بينما نحن أبطالنا القوميون هم أبطال من ورق، رؤساء وحكام لم يحققوا لبلدانهم شيئاً، ملأوا السجون بالمعتقلين، وتسببوا بهجرة العقول والمبدعين، دمروا الثقافة والرياضة والمدارس، وأقاموا تماثيل لهم. وفيما استطاعت جزيرة فيجي الصغيرة أن تتغلب على دول كبيرة مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في رياضة الرجبي وتفوز بالميدالية الذهبية، فإن دولة كبيرة جداً جداً مثل مصر اكتفت بميدالية برونزية، وبصورة عبد الفتاح السيسي مبتسماً… أليست هذه هزيمة بكل المقاييس؟

أخيراً، أعود إلى يسرى مارديني فقد علق أحد الأشخاص على صورتها وهي تستعد للمشاركة في تصفيات سباقات السباحة قائلاً: لو أنها سترت نفسها أما كان أفضل لها… وأضاف: لعنها الله وأسكنها نار جهنم خالدة فيها إلى الأبد…

هل ثمة هزيمة للعقل أكبر من هذه الهزيمة؟!

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *