لم
يبق -ساعة كتابة هذه السطور- سوى مطار أبو الظهور منطقي كفريا والفوعة ليكتمل
تحرير محافظة إدلب. وكان تحرير أريحا حلقة أخرى من حلقات انتصارات متتالية حققتها
الفصائل الثورية الميدانية في سورية في الآونة الأخيرة، لتؤكد أن الثورة الشعبية
ماضية إلى تحقيق أهدافها بعون الله.
هذه
انتصارات كبيرة تثير تفاؤلا كبيرا بأن التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الثائر
لن تذهب هدرا، وأن الآلام التي تتجاوز طاقة البشر على الاحتمال، والمعاناة التي ما
زالت تعتصر القلوب والأبدان ستجد نهايتها قريبا بإذن الله..
تفاؤل
مشروع.. لا يحجب عن الأنظار أن الطريق طويلة حتى يتحقق الانتصار النهائي، وهو تمكين
الإرادة الشعبية من تقرير المصير وبناء الدولة والمجتمع على أسس تضمن الحرية
والكرامة والعدالة والتقدم ووحدة البلاد وأهلها واستحالة عودة الاستبداد أو
الوصاية الأجنبية بأي شكل من الأشكال.
لقد
كشف مسار الثورة على امتداد أربعة أعوام ونيف أن الانتصارات الميدانية هي حجر
الأساس لأي تغيير جذري ثوري، إنما كشف أيضا أن الأعاصير المضادة للتغيير الثوري متواصلة
ومتنوعة المصادر والأشكال. فبقدر ما يبذل الثوار من جهود ويحققون من تقدم أشبه
بالمعجزات، بقدر ما تبذل القوى المضادة للتغيير من جهود “ماكرة”، كيلا تصل
الثورة إلى غايتها الأكبر بعد إسقاط بقايا نظام متهالك ودحر ميليشيات مستوردة.
وقد
ظهرت مؤشرات التقارب بين الفصائل الميدانية، وأعطت الإنجازات دليلا مباشرا عليه،
وعلى أنه شرط من شروط النصر لا غنى عنه.. كما ظهرت مؤشرات كافية على إخفاق محاولات
كادت تؤتي حصادها من قبل، لزرع أوتاد “الفساد” و”التيئيس” وتشويه
الوجه القيمي الثوري، وفصل الثورة عن حاضنتها الشعبية.. ويستحيل تحقيق ذلك فالثوار
هم فلذات أكباد تلك الحاضنة الشعبية.
ويمكن
تعداد المزيد مما أمكن تجاوزه من منعطفات سابقة، إنما الأهم هو مواجهة تلك
الأعاصير المضادة التي ما تزال تفعل مفعولها وتنذر بأن يزداد التركيز عليها في
المرحلة المقبلة، ومن عناوينها:
–
تغليب مشهد “تضخيم الإرهاب ومكافحته” في وقت واحد، على مشهد “ثورة شعبية
تاريخية تواجه الاستبداد والإرهاب بجميع أشكالهما”..
–
إهمال الواجب الإنساني لتخفيف المعاناة عن المحاصرين والمشردين والمعتقلين،
واستغلال تلك المعاناة نفسها لنشر التيئيس من “نصر نهائي”..
–
مضاعفة جهود قديمة متجددة لم تنقطع لتحويل اختلاف الرؤى السياسية إلى “سدود
منيعة” بين السوريين والسوريين..
–
المناورات السياسية الخارجية وسعيها لتبديل هدف “التغيير” بوصفات
“التجبير والتضليل”..
. . .
لا
تتحقق مواجهة هذه الأعاصير المضادة دون اقتران الانتصارات الميدانية ضد الأخطبوط
الاستبدادي وجميع أذرعه، بتحقيق “انتصارات ذاتية” على صعيد الإعداد لما
بعد إسقاط البقية الباقية منه ومن الميليسشيات المستوردة لاستبقائه.
الإعداد
المطلوب هو ليوم النصر النهائي، وهو يوم تثبيت أعمدة راسخة لبناء مستقبل سورية على
أسس قويمة تلبي التطلعات الشعبية التي أطلقت الثورة منذ سنوات.. ولئن تأخر ركب
الإعداد لذلك اليوم رغم تطاول مسار الثورة إلى أكثر من أربعة أعوام، فمن المفروض
أن تتلاقى الجهود الآن على استدراك ما فات.
لقد
تحققت الانتصارات الميدانية لجيش الفتح في الشمال -ونسأل الله أن تمتد لكامل الأرض
السورية- من خلال التلاقي بين الفصائل الثورية على رؤية عسكرية ميدانية وإن لم
تتجاوز اختلاف الرؤى المستقبلية ولا تعدد الارتباطات الخارجية، فأمكن التلاقي على
قواسم مشتركة صنعت “غرفة عمليات ميدانية”.. وأصبحت الحاجة ملحة إلى حد
بعيد للتلاقي على قواسم مشتركة تصنع “غرفة عمليات سياسية” و”غرفة
عمليات حقوقية” و”غرفة عمليات معيشية مدنية”.. فجميع ذلك ضروري
ليوم النصر النهائي عبر الإعداد المشترك له، ونحن نرصد ما يصنعه “أعداء
وأصدقاء” خارجيون، مختلفون فيما بينهم، وجميعهم يسعى لأن يكون وضع سورية
مناسبا لما يراه بعد سقوط الاستبداد الأسدي، ولا يمكن التعامل مع تلك الجهات وما
تراه إلا من خلال التلاقي “السوري-السوري” على إعداد مشترك، مع استيعاب
ما يوجد من اختلافات في الرؤى والتوجهات، وتغليب القواسم المشتركة عليها.
ليس
مجهولا ما يبذل من جهود في مطابخ “جنيف” و”القاهرة”
و”سوتشي”.. ولم يعد يكفي نهج “الرفض” للأطروحات الخارجية
المرفوضة شعبيا بالفعل.. ففعالية الرفض “السياسي” لا تتحقق دون أطروحات
ثورية سياسية وحقوقية وأمنية ومدنية واقتصادية مغايرة، تجمع بين تحقيق الإرادة
الشعبية الثورية شرطا لا غنى عنه، وبين القدرة على التعامل مع القوى الإقليمية
والدولية تعاملا يحول دون “وصاية خارجية” تتقمص صيغة “تحقيق أهداف
الثورة”.
تحمل
“المكاتب السياسية” المرتبطة مباشرة بالفصائل الثورية الميدانية قسطا من
المسؤولية عن هذه الخطوة الحاسمة في الإعداد لما بعد إسقاط الأخطبوط الاستبدادي
الأسدي، وهي تصنع بالفعل الكثير في هذه الأثناء، ولكن المسؤولية الأكبر مسؤولية قوى
أخرى لم تنزل ميدان المواجهة المباشرة، ولم تحمل حتى الآن أعباء المسؤولية
“السياسية” بكفاءة كافية لتواكب مسار الثورة بأحداثها المتسارعة،
ولتشارك في مواجهة الأعاصير المضادة، دون أن تنحني لها، فالانحناء يعني الانفصال
عن الثورة واقعا ومستقبلا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث