صدى الشام _ عمار حلبي/
خسرت غابات أرياف اللاذقية وطرطوس وحماة معظم حراجها، وباتت جرداءَ خاويةً من مشهد المساحات الخضراء الذي عُرفت بها منذ عشرات السنين. اللافت أن الحرب لا علاقة لها بالأمر بشكل مباشر، فمعظم هذه المناطق لا يعرف شيئاً عن القصف أو البراميل المتفجرة، أو الرشاشات الثقيلة، فأين ذهبت الأشجار المثمرة والخضراء؟
الشمس متهمة بحرق الحراج!
في أشهر نيسان وأيار وحزيران من كل عام، تشهد بعض الأرياف السورية حرائقاَ هائلةً منذ عام ٢٠١١، ويوجه البعض أصابع الاتهام مباشرةً إلى الدرجة المرتفعة لحرارة الشمس، بحجة أنه قد تحرق “القش” المعروف عنه بسرعة اشتعاله؛ ما يؤدي باشتعال النيران في بقية الحراج.
لكن المهندس الزراعي عطا الباشا له رأي آخر، حيث قال أن “أشعة الشمس تستطيع -عندما تتجاوز درجة الحرارة 43 مئوية- أن تحرق فقط الأوراق اليابسة شديدة الاشتعال بسبب غياب العنصر الأخضر في محتواها والذي يقاوم النار”.
ويوضح الباشا لـ”صدى الشام” أن “الأوراق الخضراء والأشجار المثمرة صعبة الحرق حتى بوجود نيران كثيفة، ووقود اشتعال” جازماً “فرضية الحرائق المستمرة بأنها تمت بفعل فاعل”.
ويتابع: “التحطيب ليس دافعاً وحيداً لحرق الغابات والمزارع، فالهدف الأهم هو الاستفادة من جذع هذه الأشجار، لتتم الاستفادة منه لاحقاً في عملية التفحيم، ولا سيما أن أشجار السنديان التي ينتج عنها الفحم الخاص بالنرجيلة باهظ الثمن”.
في ليل 21 من نيسان الماضي، تعرّضت منطقة “البستان” في ريف حماه لحريق كبير ليلا، ما دفع أفواج الإطفاء التابعة للنظام لإخمادها، بعد دقائق اندلعت ثلاثة حرائق في المنطقة نفسها الغنية بأشجار السور والصنوبر، حيث خرجت عن السيطرة وامتدت إلى الحدود الإدارية لمحافظة طرطوس، وعجز النظام عن إخمادها إلا في اليوم الثاني، بعد استقدام تعزيزات من أفواج الإطفاء من حماة وحمص واللاذقية وطرطوس ومناطق أخرى، لكنها أُطفئت بعد أن تحولت إلى صحراء حقيقية.
أصابع اتهام أخرى تُوجَّه إلى “الشبيحة”
يتحدث مزارع خسر أكثر من 1.3 هكتار جراء الحرائق لـ”صدى الشام” عن هذه الكارثة.
يقول الرجل الذي طلب عدم ذكر اسمه أو حتى القرية التي يعيش فيها، أن “ثمة أشخاص بعينهم وراء هذه الحرائق”. ويشير الرجل إلى “عصابة تحمل صفة اللجان الشعبية في المدينة – في إشارة إلى الشبيحة -أقدمت على حرق أرضه صيفَ العام الماضي، وأحرقت أراضٍ ملاصقة لبعضها تعود ملكيتها لأربعة مزارعين”.
وأضاف المزارع أن “الجميع يعلم بوجود أشخاص يحرقون أرياف المنطقة، لكن لا أحد يستطيع مجابهتهم بسبب الأسلحة والثقل والدعم الكبير الذي يمتلكونه”، مبيّنا أن “عددا كبيرا من المزارعين فقدوا أرزاقهم، إضافة لاحتراق أرضٍ خاصة بالزراعة، وغابات حراجية غير مثمرة”.
تجارة رائجة
بعد وصول ثمن المازوت والبنزين لأرقامٍ قياسية، اعتمدت كثيرٌ من الأسر السورية، وخاصة الموجودة في الأرياف، بشكلٍ رئيسي على الأخشاب والحطب للتدفئة شتاءً، كبديل رئيسي عن المازوت، وهو ما رفع الطلب بشكل هائل على الحطب المشتعل، ورفع ثمنه أيضاً بسبب زيادة الطلب عليه. ووصل سعر الحطب من النوع الرديء إلى 25 ألف ليرة للطن الواحد، وحطب الزيتون 32 ألف ليرة، وحطب “المحلب” الفاخر إلى حوالي 40 ألف ليرة للطن الواحد، حيث ارتفع بمعدل عشرة أضعاف تقريبا.
وتعدُّ هذه الأسعار دافعا لنهب الغابات بعد افتعال حرائق بها لإخفاء عملية سرقة الأخشاب من أشجارها.
خسائر كبيرة
في ظل غياب الإحصاءات عن حجم تضرر الحراج في سوريا خلال السنوات الخمس الماضية، صدرت بتاريخ 26/1/2016، دراسة يتيمة عن مديرية الحراج التابعة للنظام، بعنوان “تقييم حساسية القطاع الحراجي في سوريا”، وخلصت إلى أن “القيمة المادية الإجمالية للغابات في سوريا بلغت نحو 43 مليار يورو، أي حوالي 47.5 مليار دولار”، موضحةً أن “هذا الرقم هبطت قيمته وتدنّى بشكل كبير بفعل الانتهاكات المتعمّدة ضد الحراج”، دون أن توضح حجم الضرر الناجم عن عمليات الحرق المتعمّد.
وقالت مديرية الحراج في وزارة الزراعة التابعة للنظام، أنه منذ ٢٠١١ اندلع 1548 حريقاً، 98% منها كان مفتعلاً. وقد التهمت تلك الحرائق بحسب البيانات التي جمعتها “صدى الشام”، أكثر من 68 ألف دونم من الغابات الخضراء، معظمها كان بمنطقتي مصياف والغاب. ويشير تقرير آخر صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التابع للأمم المتحدة UNDP أن “معظم الحرائق تمت بفعل البشر”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث