عبد
القادر عبد اللي
محافظة
إدلب هي السادسة بترتيب المحافظات السورية من حيث عدد السكان بعد دمشق وريفها وحلب
وحمص وحماة، وعلى الرغم من هذه الأهمية الاستراتيجية للمحافظة، كان ظلمها مضاعفاً
أيام حكم النظام، كما لم يحظ تحرير مركزها بالتغطية الإعلامية والقراءات التحليلية
وحتى الفرح الذي حظي به تحرير الرقة. هل لما آلت إليه الرقة نصيب في هذه الغصة؟ وهل
التخوّف من قصف النظام بالبراميل والكيماوي والصواريخ دور في هذا التخوّف؟ هل
المجهول القادم هو المخيف؟
ما
إن أُعلن عن تحرير إدلب حتى بدأت معركة كلامية بين فريقين (معارضين) فريق متخوف،
وفريق يتهم المتخوفين بالتخاذل، ويقول: “هل تريدها أن تبقى بيد النظام؟”
التخوّف شعور إنساني، ومن الطبيعي أن يخاف الإنسان، بل من الضروري أن يخاف، ولكن
ليس الخوف من أجل الخوف، بل من أجل بذل المزيد للتغلب على هذا الخوف، وهناك فرق
بين التخوّف والتشاؤم.
منذ
أكثر من عام، وجبهات إدلب هادئة تقريباً، لا يقطع هذا الهدوء سوى بعض الهاونات من
جانب المعارضة. ولكن القصف الجوي الذي يشنه النظام لم ينقطع في أي يوم. والمقصود
بالهدوء هو عدم نشوب اشتباكات واسعة النطاق. والغريب أن المهاجمين أعلنوا صراحة عن
نيتهم بتحرير إدلب، ولكن أحداً لم يأخذ الأمر مأخذ جد، وحتى إن كثيرين اعتبروه
نوعاً من الشطح.
مهما
يكن فإن المعركة وقعت، والتحرير تمّ، وبدأ أهل المدينة بالنزوح خوفاً من صواريخ
النظام وطائراته. بعض المهاجرين يدينون المعارضة بقصف النظام!!! وهذا من سخريات
القدر..
الغريب
أيضاً أن منفذ باب الهوى الحدودي قد أغلق باتجاه تركيا قبل المعركة بأيام قليلة،
وبقي مغلقاً حتى بعد تحرير المدينة. وانعكس تحرير المدينة في الصحف التركية بخبر
صغير غالباً ما كانت تفاصيله القليلة في إحدى الصفحات الداخلية، وانقسمت الصحف
بوصفها التحرير بين: “الإسلاميون المتطرفون يسيطرون على مركز محافظة
إدلب” و”تحالف واسع من المعارضة تحت سقف جيش الفتح يسيطر على مركز
محافظة إدلب”. الصحف التركية الموالية تسمي المسيطرين “تحالفاً
واسعاً” بينما الصحف التركية المعارضة تسمي المسيطرين: “إسلاميين
متطرفين”، طبعاً هناك قطاع صحفي صغير تابع للرفيق الولي الفقيه يستخدم
اصطلاح: “الإرهابيون سيطروا على مركز محافظة إدلب”. أي أن الانقسام قائم
ليس على الصعيد الداخلي فقط بل على الصعيد الإقليمي أيضاً.
عادة
ما يربط النظام أي نجاح تحققه المعارضة بدور تركي، حتى إنه حتى قبل فترة قريبة كان
يعتبر أن المقاتلين جنود أتراك، ولا ننسى أنه اعتبر سقوط باب الهوى احتلالاً
تركياً لأرض سورية، ولكن النظامَ في الوقت نفسه لم يُقدم على أي إجراء قانوني دولي
باتهام تركيا بهذا الاحتلال، واكتفى بالشكوى من “دعمها الإرهاب”. ولكن
منذ إحباط حصار النظام والمليشيات المقاتلة معه لمدينة حلب، بدأت أطراف تعتبر
قريبة من المعارضة اعتبار أن هناك دعماً لوجستياً وعملياتياً تركياً للمعارضة
المسلحة.
على
الرغم من عدم وجود دليل ملموس أو تصريح رسمي حول هذا الأمر، ولكن المثل المشترك
بين العرب والأتراك يقول: “لا دخان من دون نار”. فهناك كثيرون ربطوا توّحد
الفصائل المقاتلة، والتنسيق بينها بضغط (أو قرار) تركي، ولعل دخول عدد كبير من
الأطباء والمسعفين والإمدادات الغذائية والطبية وغيرها قبل المعركة، والسلاسة بنقل
المصابين إلى المشافي يدل بوضوح على تخطيط لم نشهده من قبل، وهذا يدل على قرارات
جديدة أو عامل جديد دخل على الأمر.
لم
يبق الأمر عند هذا الحد، فمع الهجوم وصلت الشبكة التركية للاتصالات الخليوية إلى
أطراف المدينة، وما إن مضت ساعات على تحريرها حتى وصلت التغطية إلى المدينة نفسها بعد
أن قطعها النظام بشكل كامل.
المؤشرات
كلها تقول إن القرار الأمريكي يقضي بعدم الحل في سورية، فالاستنزاف الحاصل فرصة
ثمينة جداً بالنسبة إلى المشروع الصهيوني، ولكن المتضررين كثيرون ولعل تركيا أكثر
أولئك الكثيرين، والمتضررون جميعاً يضغطون باتجاه الحل، فهل هناك قرار غير معلن
بالحل؟ لن يطول الوقت لمعرفة ما إن كان هناك حلٌ فعلاً، فالتطورات التي ستعقب
تحرير إدلب ستعطي مؤشرات أوضح على اتجاه الأمور، وإذا ما كانت هناك غصة لدى
الفرحين بتحرير إدلب، فإن هذه الغصة على الأغلب ناجمة عن التشاؤم المتراكم على مدى
أربع سنوات، وعن الخوف من المجهول…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث