ثائر الزعزوع ـ صدى الشام
انتشرت صورة الشهيدة رحاب محمد علاوي، ابنة
مدينة موحسن في محافظة دير الزور، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت عاصفة من
الغضب لدى السوريين، بل وجميع من شاهد صورتها المؤلمة التي تكشف لا إجرام النظام
وقذارته فقط، بل تواطؤ هذا العالم بأسره. وقد استبدل العديد من الناشطين السوريين
صورهم الشخصية بصورة رحاب وهي ملقاة وعلى جبينها لوحة رقمية. كانت رحاب محمد علاوي
قد اعتقلت قبل عامين ونصف بتهمة المشاركة في التظاهر، لتظهر أخيراً شهيدة تضاف إلى
سلسلة طويلة من شهداء الثورة السورية. وقد زادت الصور المسربة، والتي نشرتها بعض
المواقع الالكترونية، من هول فجيعتنا ونحن نكتشف يوماً بعد يوم شهيداً جديداً كنا
نظن أنه حيٌّ.
بالتزامن مع نشر صورة رحاب انتشرت أخبار دير
الزور، المدينة الذبيحة، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد أن أطبق الحصار عليها،
وباتت محرومة من كل ما يمت إلى الحياة بصلة. فالنظام يطوقها جواً وداعش تستبيحها
أرضاً، وكلاهما يقتسمان خيراتها ضمن اتفاقات سرية وعلنية، وقد تقطعت أوصال المدينة
التي كانت تسمى في وقت من الأوقات مدينة الخير. حتى أن تنظيم داعش، وما إن وضع يده
عليها، حتى أطلق عليها تسمية ولاية الخير، لأنه يدرك أن أخت الفرات هذه تحوي في
أرضها نفطاً وقمحاً ومياهاً. ولأنه يريد أن ينهب خيراتها دون أن ينازعه أحد فقد
عقد تلك الاتفاقيات مع النظام الذي لا يمانع في بيع كل شيء في سبيل الحفاظ على
بقائه جالساً على كرسيه، فرحاً بما تبقى له من أرض سوريا التي تمزقت، فتنازل عن
سيادته المزعومة وقبِل أن يحول دير الزور إلى سوق يتبادل فيه السلع مع داعش، بينما
أهل المدينة الذين لحق الدمار ببيوتهم وحياتهم يتضورون جوعاً وهم لا يجدون لا
خيراً ولا عملاً في مدينتهم الكبيرة.
وحكاية دير الزور ليست جديدة مع الإهمال والسرقة.
فقد أظهر تقرير، نشر عام 2005 بإشراف إحدى المؤسسات التابعة للنظام، أن معدل
التنمية في دير الزور لا يتجاوز 4%، بينما تنتج المحافظة ثلاثة أرباع النفط السوري
من أراضيها، وتشكل حقولها وبساتينها رافداً أساسياً من روافد الاقتصاد الزراعي في
البلد. ولكن أهل الدير، الذين كانوا يتعايشون مع ذلك الواقع المؤلم كما كان يتعايش
باقي السوريين، التحقوا مبكراً بركب الثورة ولم يتأخروا عنها، فانطلقت مظاهراتهم
المطالبة بإسقاط النظام وملأت ساحات المحافظة ومدنها، مثل البوكمال والميادين
والموحسن والقورية. وكانت مدينة البوكمال أول مدينة محررة في سوريا، مستعيدة بذلك
تاريخها القديم، إذ كانت أول مدينة طردت المستعمر الفرنسي من أراضيها، وكان مقدراً
لمحافظة دير الزور بأكملها أن تتحرر من النظام تباعاً، لكن دخول داعش من البوابة
الخلفية أفسد مسيرة التحرر. قدم النظام، بقصفه الجوي المتواصل لمحافظة دير الزور
بأكملها، هدية لتنظيم داعش، لأنه يعلم أن داعش تشبهه وهو حريص كل الحرص على ألا
تتحرر سوريا من العبودية أبداً. ولأن دير الزور تقف الآن على حافة الكارثة فإنها
لا تنفك تقاوم؛ بعض شبابها ما زالوا قادرين على مقاومة هيمنة داعش رغم الجرائم
التي ارتكبتها. ولعل الجميع يذكرون مجازر الشعيطات، كما يذكرون الإعدامات
المتلاحقة التي ينفذها التنظيم بحق أبناء المدينة من مقاتلي الجيش الحر. رغم هذا
الحصار الخانق وتلك الجرائم والمجازر المتلاحقة، إلا أن كل ذلك لم يعطل الأمل لحظة
واحدة، ما زال الديريون يحلمون بالثورة، ولم لا؟
كتب لي أحد شباب دير الزور رسالة قال فيها: نحن
سنرجع قريباً، تعبنا من فراق الدير، سنشتري أكفاننا ونعود لنموت على ترابها.
ما زال جسرها المعلق مائلاً بعد أن دمرته قوات
النظام.
ما زال تمثال الفراتي منتصباً رغم أن داعش دمرته.
ما زالت امرأة ديرية تلتف بعباءتها، وتهرب أرغفة
الخبز التي خبزتها على تنورها لأولئك الشباب الواثقين بالنصر. ما زالت دير الزور
كلها تبحث عن حريتها. قلت دير الزور الذبيحة، لأنها قربان حرية سوريا، شأنها شأن
سواها، وقلت دير الزور الجريحة لأن جرحها العميق ما زال ينزف يوماً بعد يوم دون أن
تجد من يداويها.
صورة رحاب العلاوي ليست صورة عادية، هي صورة دير
الزور ملقاة على الأرض، وحيدة تتشح بالسواد. وكما أن لكل شهيد اسماً وذاكرة فلدير
الزور، التي لا تعرف كيف تموت المدن، ذاكرة طويلة تمتد من ماري لتصل إلى دورا
أوربوس وحلبية وزلبية. وهي المدينة التي تستطيع أن تنهض من تحت الرماد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث