الرئيسية / تحقيقات / المدارس السورية في تركيا مشاريع ربحية وأخرى خيرية يتخللها شحٌّ الدعم و ثغراتٌ المناهج

المدارس السورية في تركيا مشاريع ربحية وأخرى خيرية يتخللها شحٌّ الدعم و ثغراتٌ المناهج

اسطنبول، غياث شهبا

أربعة أعوام مرت على اندلاع ثورة الكرامة،
لجأ فيها الملايين من السوريين إلى شتى بقاع العالم نتيجة لبطش نظام الأسد، دُمرت البلاد،
وامتلأت أقبية المعتقلات، وكما أنّ الرصاصة لم تستطع التفرقة بين مدني وعسكري، بين
طفل ورجل، استحال فعل ذلك على البرميل المتفجر وصاروخ السكود، فطال الخراب أكثر مدن
وبلدات سورية، فتدمرت أكثر من 4500 مدرسة في
سورية حسب إحصائيات الأمم المتحدة حتى منتصف العام الماضي. وما زال التناسب العكسي
بين تهدّم المدارس وسير العملية التعليمية يتوسع لمصلحة الأولى.

كانت الدول المجاورة هي الوجهة الأولى
للمدنيين، فكان حظّ تركيا منهم وفيرا جداً لموقعها القريب من المناطق الساخنة إلى حد
الاحتراق، وأهمّ من ذلك لفتح أبوابها لهم. حيث تجاوز عدد السوريين فيها المليونين،
لتبدأ رحلة الحياة من جديد.

اسطنبول في المقدمة

مئات الآلاف من الأطفال اضطروا لترك مدارسهم في سوريا لأسباب يعرفها الجميع،
وكان لزاما عليهم استعادة ما فاتهم من سنوات دراسية ضاعت في الأفق المظلم. لذلك افتتحت
مئات المدارس في تركيا، علّها تصلح ما أفسده الأسد. ولكن كثرة عدد الطلاب بالنسبة للإمكانيات
المتاحة، وحداثة المؤسسات التي تبنّت الإشراف على المدارس وتعديل المناهج الدراسية
النابتة من جذور يتجاوز عمرها الأربعين عاما من حكم نظام الأسد، واستحالة قولنا لطفل
يعمل ليعيل أسرته (اقرأ) لأنه يحتاج للكثير من التضحية كي يقول (ما أنا بقارئ). كل
هذه الأسباب تدعو للنظر بعمق تجاه حالة المدارس السورية في تركيا، ومعرفة ظروف وطرق
سير العملية التعليمية للسوريين.

يبلغ عدد المدارس السورية في تركيا 208مدرسة، 48 منهافي اسطنبول حيث تضم أكبر عددٍ من السوريين بالنسبة للمدن الأخرى. وحسب حسام خياط، مدير
المكتب الإعلامي لهيئة علم، “تنقسم المدارس السورية إلى مجانية ومأجورة. وتتمركز
الأولى في المناطق الحدودية في الغالب، كأنطاكيا وأورفا، والمدارس المأجورة في هذه
المناطق تكون الرسوم فيها رمزية جداً. وكلما اتجهنا شمالا تقل نسبة الدعم وتزيد رسوم
تسجيل الطلبة في المدارس. فغالبية المدارس في اسطنبول مأجورة وتجارية بحتة، وقلّة هي
التي تكتفي بالمصاريف التشغيلية فقط”.

بين الأبيض والأسود

تتفاوت أرقام رسوم التسجيل في العام الدراسي الواحد بالنسبة للطلبة السوريين في
مدارس اسطنبول، حيث وصلت الأرقام في بعض المدارس إلى ألف ومئة دولار للعام الدراسي
الواحد. ناهيك عن أجور المواصلات المرتفعة في المدينة والتي قد تتجاوز رسوم
المدارس بحد ذاتها. ولكن هناك بعض المدارس التي تكتفي بأسعار رمزية جدا في محاولة
منها لإنجاح سير العملية التعليمية، كحالة مدرسة بيت المقدس بإسطنبول، والتي أسسها
شاب فلسطيني الجنسية كمشروع تعليمي خيري. بدأ “زاهي سويدان” مشروعه بثلاثة
مدرسين يعملون بالمجان من مكتبه الخاص، وكان تعداد الطلاب لا يتجاوز السبعين. وبوجود
علاقات جيدة تربطه بوالي بلدية المنطقة التي تتبع لها مدرسته الآن وبمدير التربية هناك،
سمحت له البلدية أن يشارك طلابه نظراءهم الأتراك في مدرستهم وذلك بعد انتهاء الأتراك
من دوامهم الصباحي، ليأتي بعدهم دور السوريون في الدوام. تكفلت البلدية التركية بالمدرسة
ومصاريف المياه والكهرباء، وازداد عدد الطلاب إلى السبعمائة، وصارت رسوم التسجيل فيها
خمسون ليرة تركية شهريا من أجل تغطية أجور الكادر التدريسي الذي توسع عن سابقه. يقول
زاهي سويدان لـ”صدى الشام”: “نستقبل الأيتام مجاناً، وعلى الرغم من
رمزية الرسوم تجد الكثير من الطلاب الذين لا يقدرون على تحمل نفقة المدرسة. والمساعدات
المادية لا تصلنا على الإطلاق. أحيانا يقدم لنا بعض المسؤولون الأتراك مساعدات عينية
كألبسة وألعاب للطلاب”. يضيف سويدان: “نحن بحاجة إلى دعم تقني أيضا. فوسائل
التعليم المتوافرة هنا من خرائط ومجسمات جلّها باللغة التركية ومخصصة للطلبة الأتراك”.

تختلف فصول الحكاية من مدينة لأخرى، وأحيانا يلعب الحظّ دوره المفضّل في تغيير
لونه بين الأسود والأكثر سواداً. يقول السيد براء، معاون مدير إحدى المدارس في إقليم
هاتاي الحدودي،لـ”صدى الشام”: “عندما نزحنا إلى هنا لم يكن هناك مدارس
للسوريين في المدينة. جمعنا مبلغا جيدا مع أحد الممولين لنؤسس مدرسة بأسعار رمزية جدا.
كنّا على دراية بأن هذا المشروع سيكون خاسرا لو أخذناه بمنحى تجاري، ومع ذلك استمرينا
بالعمل”، يضيف براء “المصاريف هائلة جدا، فرسم الآجار السنوي للمبنى وأدوات
التدريس تكلف خمسين ألف ليرة تركية سنويا. فضلا عن أجور المعلمين التي تصل شهريا إلى
العشرين ألفاً”. وأكد براء على انعدام التمويل الذي أدى بكوارث اقتصادية لأصحاب
المشروع الخيري حيث أضاف، “جمعنا كل ما نملك من أجل إنجاح سير العملية التعليمية،
ولم يأت أحد ليدعم مشروعنا ماديا، فأشهرنا إفلاسنا. وأعتقد بقرب وقت إغلاق المدرسة،
فلا نحن ولا طلابنا نستطيع تغطية نفقات البناء والمدرسين. نحن لم نطرد أحدا من الطلاب
على الإطلاق، ولم نغلق باب مدرستنا بوجه أحد، ولا نأخذ رسوما من أبناء الشهداء”.
تختلف طريقة الأتراك في التعامل مع المدارس السورية في هاتاي، فكما يقول براء “مواردنا
ذاتية، والسلطات التركية تجبر كل المدارس أن تأخذ دعمها من منظمة (إي هاها)، والتي
لم تدعمنا حتى الآن”.

عبارات مدسوسة

أكد الإداريون في المدرستين السابقتين اعتماد مدارسهم في مناهجها التعليمية،
على الكتب التي توزعهم عليها (هيئة علم). يقول حسام خياط: “نوزع في هيئة علم كتبا
منقحة على كل المدارس السورية في كافة أنواعها بتركيا، وليس لدينا أية أجندة سياسية.
نحن نوزع الكتب مجانا على كل السوريين”. ويضيف حسام: “أزلنا كل شيء في المناهج
يتعلق بنظام الأسد. ولكننا اكتشفنا بعد ذلك ثغرات خفية وضعت داخل المناهج العلمية،
كانت تشير إلى منحى النظام الطائفي بطريقة غير مباشرة. فمثلا في كتاب الرياضيات، كانت
تبدأ المسألة بوضع أمثلة بأسماء مرتبة بطريقة مدروسة تدل على بعد طائفي واضح.
فتقرأ مثلا (لدينا في المعادلة هنا علي في المقدمة ثم حسين يليه عباس ..). عندها أعدنا
تنقيح الكتب مرارا وفي كل مرة نكتشف ثغرة جديدة”.

مشاريع التنقيح وتعديل المناهج لم تقتصر على هيئة علم. حيث يؤكد مدير مكتب
التربية والتعليم في الحكومة السورية المؤقتة، الأستاذ محمد صالح أحمدو،
لـ”صدى الشام” إن “وزارة التربية تبنّت تنقيحات جرت بإشراف الهيئة الوطنية
المكونة من عضو الائتلاف السوري السيد بدر جاموس والسيد جلال الدين خانجي، حيث تم طبع مليونين وأربعمئة ألف كتاب، وتم توزيعهم
في تركيا والداخل السوري، ومُنحت ملفات كتب الكترونية للمناطق التي لم تصلها النسخ
المطبوعة، لأنه يصعب تنقيح مئة وأربعين كتابا -وهو عدد الكتب في المنهاج السوري بكافة
مراحله- وطبعهم بفترة قياسية.

ويشدد صالح أحمدو على ضرورة تقيد المدارس السورية بالكتب الصادرة من الهيئة
الوطنية. ناصحاً إياها بتفضيلها عن الكتب المقدمة من هيئة علم حين قال “صدر قرار
في الحكومة التركية يقضي باعتماد هذا المنهج المنقح من قبل الهيئة. وسيبدأ تدريس هذا
المنهج في الشهر القادم. الحكومة التركية رفضت كتاب هيئة علم وأصدرت قرارا بسحب كتاب
التاريخ من صف التاسع والبكالوريا”؟ وأضاف الأستاذ أحمدو “منهج هيئة علم
كثيرا ما وجدت فيه ثغرات”.

ضعوا اسم إسرائيل نطبع لكم الكتب!

لطالما كان العائق الأبرز لسير العملية التعليمية للسوريين في تركيا هو العامل
المادي. فكثير من الإداريين وجهوا أصابع الاتهام للحكومة السورية المؤقتة، واضعين إياها
موضع المسؤول عن تدهور الوضع التعليمي. وآخرون اكتفوا بالتأكيد على عدم وصول أي وسيلة
دعم من هذه الحكومة، فاعتبروها وهما لا يُسمع ولا يُرى على أرض الواقع، مكانها الطبيعي
في منابر الإعلام، ووظيفتها الحقيقية الكلام فقط.

يعزو مدير مكتب التربية والتعليم
بالحكومة المؤقتة هذه الحالة إلى قلة الإمكانيات المتاحة للحكومة، موضحاً، “فور
تشكيل الحكومة السورية المؤقتة جاءها خمسون مليون دولار، خصصت منها سبعة ملايين وثمانمائة
ألاف دولار من أجل وزارة التربية. وهذا المبلغ لا يكفي على الإطلاق، فرواتب المدرسين
شهريا تتجاوز الأربعمئة ألاف دولار، وتكلفة الامتحانات تتجاوز المليون دولار”.
و عن مسؤولية الوزارة في جلب الدعم من المنظمات الدولية يضيف أحمدو، “المنظمات
الإغاثية تتهرب من الدعم الذي تدعي أنها تسعى لتقديمه. فعلى سبيل المثال، طلبنا من
إحدى المنظمات الأوربية المساهمة في طبع الكتب الدراسية فرفضت، معللة ذلك بعدم وجود
إسرائيل على الخريطة في كتاب الجغرافيا. فطلبنا منها طباعة باقي الكتب، فرفضت قائلة
إنها لا تستطيع أن تطبع إلا المنهج كاملا”. وبين الأستاذ صالح استعداد
الحكومة المؤقتة التعاون مع كافة الأطراف للرقي بالتعليم المدرسي للسوريين حيث أكد
أن، “أي جهة أو منظمة تود أن تعمل معنا باتجاه التعليم مرحبا بها”. وأكد
على وجود مشاريع طموحة تساهم في رفع مستوى التعليم، ولكن العائق المادي هو الأساس.
كاشفا عن مشروع لإعادة تأهيل المعلمين عن طريق اليونيسيف بتكلفة تصل إلى خمسة
ملايين دولار، وسيتم هذا البرنامج فور تأمين المبلغ، على حد قوله.


عمالة ومآسي

لا يمكننا الاكتفاء بالمؤهلات الأساسية لإنجاح عملية التعليم وغض البصر عن ظروف الطلاب
بحدّ ذاتها. ففي كل مدرسة تجد عشرات المآسي التي وقعت على نفوس أصحابها. “عندي
طفلة في الصف السادس”، حسب الاستاذ محمد، مدرس في مدرسة في هاتاي، “مهذبة
جدا وخلوقة وحسناء للغاية، متفوقة أمام أقرانها من الطلاب. كان الطلاب يغتاظون منها
محاولين إيجاد سبب لكرهها، وما لبثوا أن وقعوا في حبّهم الطفولي لها. طلبت الإدارة
اجتماعا لأولياء الأمور في اليوم التالي من أجل إخطار الأهل بحال أطفالهم، وكنت شخصيا
أود أن أقابل وليّ أمرها كي أثني على ابنته. انتظرتها الإدارة مع وليّ أمرها ولم تأت
أبدا حتى اللحظة. علمت الإدارة لاحقا أن هذه الطفلة كانت تسكن مع امرأة عجوز تبنتها
بعد وفاة كل عائلتها، وحتى أعمامها وأخوالها، وأحضرتها إلى تركيا، وأنها لم تستطع أن
تواجه حقيقة أنها وحيدة بدون أهل بالمقارنة مع نظرائها في المدرسة. اكتشفنا بعد فترة
أنها رحلت مع العجوز إلى خارج المدينة”.

أحمد طالب في الصف الخامس بمدرسة سورية في اسطنبول، عمره يتجاوز الثلاثة عشر
عاما، توقف عن الدراسة ثلاث سنوات في سوريا بسبب قصف طيران النظام لمدرسته في ريف حلب.
كان أول طالب أصادفه في تلك المدرسة، تحدث مع معلمه بضع كلمات ثم غادر مسرعا. لم أفهم
شيئا من كلامه رغم وضوح صوته فغالب حروفه وتصرفاته غلب عليها الهذيان واللامبالاة،
سألت المعلم عن حال أحمد فأوضح لي أن “هذا الطفل كان ذكيا جدا في مدرسته بسوريا،
وعندما اعتُقل والده اضطر وعائلته إلى النزوح إلى تركيا، وهو الآن المعيل الوحيد لأسرته،
فيعمل بمعدل عشر ساعات يوميا، ويأتي للمدرسة ببشرته المصفرّة من الأرق والتعب كل يوم.
حاول أن يترك المدرسة لأنه لا يطيق دفع الرسم الرمزي الخاص بها، فقررت الإدارة تدريسه
بالمجان. وبعد أشهر ورد نبأ استشهاد والده تحت التعذيب في أقبية السجون، عندها انهار
أحمد وصار يشكو من ضعف بالذاكرة”. كان هذا أول طفل أشاهده في مدرسة بيت المقدس،
فكم من (أحمد) في المدارس السورية؟

وإذا لم يتحمل السياسيون والمجتمع الدولي مسؤولية إنقاذ والد أحمد وآلاف الحالات
المماثلة، فهل سنجد من يقدر على إنقاذ من تبقى من مئات آلاف الطلاب السوريين للخروج
من مسار طريق أحمد البائس؟، هذا ما ستخبره لأحمد الأيام “الكثيرة” القادمة..
وستخبر الآلاف من أمثاله.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *