نبيل شبيب
السؤال أعقد بكثير من قابلية إجابته بنعم أو لا،
دون بيان المقصود به بيانا مبسطا.. ولعل التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس الائتلاف
الوطني السوري خالد الخوجة والتي أثارت ضجة ملحوظة فرصة مناسبة لمحاولة الإجابة.
المنطق الثوري، دون العنصر السياسي، يقول في سورية
بوجوب الوصول إلى أهداف التغيير المطلوب من خلال استخدام وسيلة “القوة” لإجبار
الطرف الآخر على التخلي عن تسلطه السياسي وغير السياسي. والمنطق السياسي، دون العنصر
الثوري، يقول بإمكانية الوصول إلى “التغيير” عبر “وسائل سياسية”،
مثل المفاوضات وجلب التأييد الإقليمي والدولي..
الجمع بين هذا وذاك في مسار الثورة الشعبية في سورية
بالذات، يتطلب التأكيد من وراء كل ضجيج عقلاني أو عاطفي، أن وجود “العمل السياسي”
أصلا -في صيغة الائتلاف كمثال- كان من نتائج “معطيات الثورة”، فلا يمكن أن
يتحرك سياسيا خارج إطارها.
إسقاط الأسد.. شرط أم هدف
بالنسبة إلى المفاوضات وأهدافها وشروطها ومجراها..
يقول المنظور السياسي المجرد:
للمفاوضات شروط مسبقة ومطالب بمثابة أهداف. والمفاوضات
وسيلة.. وبهذا المنظور، لم يخرج رئيس الائتلاف الوطني السوري عن المسار “السياسي
التفاوضي” عندما اعتبر إسقاط الأسد الإيراني مطلبا أو هدفا لا يتبدل وليس شرطا
مسبقا. بل تعتبر تلك التصريحات ضبطا لغويا للخطاب التفاوضي بإعطاء “مصطلحاته”
مضمونا صحيحا. وكان الائتلاف يتعامل بالفعل مع “مسلسل جنيف” من منطلق ما
قاله الخوجا الآن، وإلا فكيف جرت مفاوضات قبل إسقاط الأسد لو كان هذا شرطا للشروع في
مفاوضات؟..
يمكن القول مثلا -كما ورد في مواقف بعض الساعين للمفاوضات-
إن المطالبة بإطلاق أعداد من المعتقلين، لا سيما من النساء والأطفال، هو في منزلة
“شرط” من الشروط. أما إلغاء حالة “الاعتقال الظالم” أصلا باعتباره
ممارسة استبدادية إجرامية، فلا يتحقق دون إنهاء وجود السلطات التي تقرره وآليات تقريره
وتنفيذه. فهو إذن هدف، يمكن أن يتحقق بالمنظور السياسي عبر المفاوضات.. أو يفترض أن
يتحقق بالمنظور الثوري بالقوة، أي عندما ينشأ نظام عادل بعد تقويض الاستبداد الفاسد.
شبيه ذلك يسري على الانتخابات المزورة ومنصب الرئاسة
والدستور الفاسد. فلا تناقض سياسيا بين التزام “السياسة” بأهداف الثورة،
وبين عدم اعتبار ذلك شروطا مسبقة عند استخدام وسيلة “المفاوضات” قبل أن تبلغ
الثورة أهدافها عبر استخدام وسيلة “القوة”.
السياسة وليدة الثورة
هذه “تفاصيل” شكلية رغم أهميتها، أما
“جوهر” المشكلة فأمر استراتيجي، يمكن القول بشأنه بإيجاز شديد:
١- ثورة عفوية.. وسياسة تقليدية
وضع انطلاق الثورة الشعبية قضية سورية في موقعها
التاريخي والسياسي: تغيير جذري وليس أزمة سياسية وحلول جزئية تحسينية.. لهذا لا تتحقق
الأهداف، رغم بداهتها سياسيا -كالحرية والكرامة والعدالة والتقدم- دون وسيلة القوة
الثورية.
٢- ارتباط السياسة بالثورة
نشأت “وسائل سياسية” على أرضية “صنعتها”
الثورة، وكانت شعبية دون “تخطيط مسبق”. فلم تملك إمكانية اختيار “الأدوات
السياسية”، ولم تحدد “من” يصنع ذلك و”ماذا” يصنع و”كيف”
يصنع. ولا يلغي ذلك استحالة استغناء ما ينشأ باسم الثورة سياسيا عن “الارتباط”
بالثورة التي يقول إنه نشأ من أجلها.
٣- ضغوط خارجية
واقعيا تشكل “جسم سياسي” خارج “جسم
الثورة” التي كانت وأهدافها “مبرر وجوده”، ومهمته تحتم اختيار وسائل
سياسية دون المساس بأهداف الثورة، ومنها التعامل مع قوى إقليمية ودولية هي ذاتها التي
تضغط كي تغير الثورة أهدافها أو تختزلها.. هنا يجب بقاء حرية العمل السياسي مقيدة بإرادة
الثورة.
بتعبير آخر: وجد الائتلاف نفسه أمام ثورة تفرض عليه
تحقيق أهداف تغييرية أكبر من السياسات التقليدية.. وأمام ضغوط خارجية تواجهه بمطالب
خارج نطاق قدرته على تحقيقها.
٤- استراتيجية جديدة؟
لم تفارق هذه المعضلة الائتلاف، وقد ورثها عن “المجلس
الوطني”، وأخفقت محاولات سابقة لتجاوزها من خلال الاستجابة للضغوط ومحاولات
“تطويع” الثورة لها.. ويترتب على ذلك أن “الاستراتيجية الجديدة”،
التي يتحدث الخوجا عنها، محاولة أخرى، لعلها أفضل من سابقاتها، لتجاوز هذه المعضلة
بالذات.
أركان نجاح “استراتيجية”
الائتلاف
في هذه الاستراتيجية لا مكان سوى للتفاصيل الجانبية
للتصريح بتصنيف إسقاط الأسد الإيراني في سورية تحت مصطلح “هدف لا رجعة عنه”،
بدلا من “شرط مسبق” في مجرى عملية سياسية مواكبة للثورة.
أما النجاح أو الإخفاق في وضع استراتيجية جديدة فمرتبط
بقضايا أساسية كبرى، يمكن ذكر بعض عناوينها دون تفصيل:
١- مضاعفة قوة الارتباط بين الائتلاف والثورة تتحقق
بقدر ما يتحقق تجسيد الائتلاف لنفسه باعتباره “ذراعا سياسيا” للثورة.. وبحكم
نشأة الثورة قبل الجسم السياسي لا يمكن اعتبارها هي “الذراع المسلح” للائتلاف.
٢- التعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية ساحة سياسية
لتحقيق أهداف الثورة. ويمكن أن تكون مصدرا لتطوير وسائل الثورة إيجابيا. ولكن لا يمكن
أن تكون مصدرا للتأثير على أهداف الثورة نفسها.
٣- المفاوضات أداة من الأدوات السياسية وتخضع مشروعيتها
لأهداف الثورة. ولا تغني في أي مرحلة من مراحلها عن استمرار الثورة عبر استخدام وسائلها
الثورية؛ أي القوة في مواجهة القوة حتى تتحقق الأهداف…ثوريا أو سياسيا.
٤- المسؤولية السياسية للائتلاف شاملة لجميع ما يتعلق
بالجوانب الأهلية والمدنية داخل سورية. ولا يمكن واقعيا تحقيق ذلك دون التفاهم مع الداعمين..
وكذلك التنسيق والتعاون الوثيق بين الائتلاف والقوى الثورية على الأرض.
جميع ما سبق يؤكد أمرا جوهريا:
لا يفيد ولا يوجد ما يستدعي الرفض المطلق للائتلاف
بدعوى منظور ثوري، بل المطلوب ائتلاف سياسي ثوري، وكذلك رؤية سياسية واعية مشتركة للفصائل
الثورية.. وهذا ما يرجى تحقيقه في العام الخامس للثورة ليكون عام الحسم بإذن الله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث