اللاذقية
– حسام الجبلاوي
تعتبر
مهنة الصيد البحري جزءا من تراث المناطق الساحلية، وواحدة من مصادر الدخل الأساسية
لأهالي المنطقة، ورغم تطور وسائل الصيد وأدواته في العديد من الدول المجاورة، مثل
تركيا ولبنان، وارتفاع الإنتاج، بقي الصيد في الساحل السوري أشبه “بالهواية”،
نتيجة غياب التخطيط والتطوير وانعدام القدرات، مما ساهم بتراجع الإنتاج وعزوف
الكثيرين عن مهنة الأجداد.
ومع
بداية أحداث الثورة السورية، عانى هذا القطاع والعاملون فيه من التهميش والاتهامات
بحجة “التهريب” واستخدام الصيد لأعمال “مناوئة للدولة”، لتأتي سلسة من القرارات الحكومية لتزيد المتاعب
وتثقل كاهل العاملين في هذا القطاع بمزيد من الأعباء عبر تقييد المسافة المحددة
للصيد بعمق لا يجاوز 6 ميل عن الشاطئ (11,112م)، واستثناء الصيادين من الدعم الحكومي
للمحروقات باعتبارهم من فئة “التجار”. هذا بالإضافة إلى العديد من حالات
الاحتجاز العشوائي للمراكب بتهم مختلفة، وتشديد الخناق على الصيادين بتحديد فترة
الخروج والدخول.
يقول
أبو خالد، أحد الصيادين في اللاذقية، “يعاني الصيادون من قلة الرزق في الشتاء.
ونقضي الكثير من الأيام في انتظار تحسن الطقس، لنخرج بحثا عن رزق يعيننا على قضاء
حوائجنا، لكن القرارات الأخيرة بتحديد مسافة الصيد ووقته ستسبب لنا الكثير من
الخسائر، خاصة أن معظم القوارب ستتجمع في مناطق قريبة من بعضها.
وأشار
الصياد الخمسيني إلى أن خفر السواحل ” اعتقلت في الأمس صيادا مع ابنه بتهمة
تجاوز الحد المسموح وحتى الآن لا نعلم عنهم شيئا”. ويمضي أبو خالد بعرض جملة
الممنوعات التي أصبحت مثار سخرية الصيادين، على حد قوله، “ممنوع الصيد في
البسيط، ممنوع السماح بالصيد لأكثر من 18 ساعة للمركب، ممنوع تخريج المركب، ممنوع
الابتعاد عن الشاطئ لأكثر من 6 ميل”، لينهي عبارته ساخرا “ممنوع الصيد”.
يصمت الرجل قليلاً، ثم يكمل مثبتاً عينيه على الأمواج التي تلاطم الصخور أمامه “كنانسير في المركب ونقضي أياما في عرض البحر نطلب
الرزق ونتوجه حيث نريد، لكننا اليوم بالكاد نعود بقواربنا بعد ساعات، وفي غالب
الأحيان نعود بحصيلة بائسة لا تسد كلفة تشغيل القارب من المازوت”.
وبحسب
أبو خالد، “يحتاج مركب الصيد إلى حوالي 30 ليتراً من المازوت لكي يعمل حوالي
18 ساعة من الصيد، وبكلفة تصل إلى 5000 ليرة، نظرا لعدم تزويد الصيادين بالمازوت
المدعوم من قبل الحكومة، ثم نأتي إلى ساحة السمك لنواجه تسلط تجار السمك حيث تغيب
الرقابة والتموين ونخسر بعض أرزاقنا نتيجة جشع وتسلط مافيات السوق” حسب وصفه.
ويفتقر
الساحل السوري، بحسب اقتصاديين، إلى المقومات الأساسية لتحسين مردود الصيد، فالموانئ
خصصت للمراكب الصغيرة، والأرصفة مشغولة، والتعويضات غائبة. فيما تزيد وسائل الصيد
البدائية، مثل الجرف واستخدام المتفجرات وغياب الرقابة والعشوائية وعدم اهتمام
الدولة بمزارع صيد الأسماك وتطويرها وإهمال المحميات الطبيعية، من عوامل الفقر
وتراجع الإنتاج.
ويبلغ
إنتاج سوريا من الأسماك، بحسب أرقام حكومية، 61 ألف طن سنويا؛ 80% من الإنتاج هو
من المياه العذبة. وبحسب الدراسات أيضا، انخفض معدل الاستهلاك السنوي للفرد محلياً
من السمك إلى أقل من 1 كغ فقط (المتوسط العالمي 22 كغ سنويا)، بينما كان في
الثمانينات حوالي 2 كغ. ويعزو خبراء عزوف
السوريين عن استهلاك السمك المحلي إلى عوامل منها ارتفاع ثمنه ومنافسة الأسماك
المجمدة الرخيصة القادمة من دول الجوار لنظيرتها المحلية.
يذكر
أن الساحل السوري يمتد بطول 193 كم، ويعتمد عليه العديد من أبناء اللاذقية وطرطوس
وبانياس وجزيرة أرواد كمصدر للمعيشة، وأهم
أنواع السمك الموجود فيه (المرمور والجروش والبراق والبوري والبلميدا والسرغوس). وتعتبر
فئة الصيادين من أكثر الفئات فقرا وتهميشا، حيث تراجع عدد العاملين في هذا القطاع
في الآونة الأخيرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث