الرئيسية / Uncategorized / زُّوَاقِيل النشر الجدد

زُّوَاقِيل النشر الجدد

محمد طلعت حمدي

من آفة أمراضنا الثقافية ظهور دُور
النشر التي فتحت أبوابها في السنوات العشر الأواخر في زمننا الكسيح الذي انتصرت فيه
“السبوبة/ النقود”، وأصبحت شعارا للمرحلة الفارغة من أخلاقيات مهنة النشر
وأصحابها، حيث طغت المادة على القيمة، وبات من يمتلك النقود له أحقية النشر دون سواه.
وبالطبع كان المشهد المصري له السبق ونصيب الأسد في رواج هذه البضاعة الفاسدة من شيوع
الزُّوَاقِيل الجدد، الذين ينطبق عليهم هذا الوصف، وهم لصوص الحديث الشريف، فقد كانوا
يسرقون الكلم ويحرفونه ثم ينشرونه بغية جمع الدراهم أولا، ورواج الكلمة الفاسدة ثانية
.

ويشتهر الزُّوقل الجديد بالحميمية في الانطباع الأول، ويُعرف نفسه وسط المقاهي
الأدبية بالودود الساعي، لنشر كل إبداع وإتاحة الفرصة لجميع الموهوبين (الموهومين)،
وما هذا إلا شبكة رماها ليصطاد الأسماك الغرة والصغيرة والمحبطة والمتطلعة والفارغة؛
ليكبش تحويشة العمر في النصب المسمى بالمشاركة المالية في تكلفة الكتاب، ثم النهب العلني
في العقد الاحتكاري، وعدم الوفاء بطبع عدد النسخ المتفق عليها، وضآلة نسبته من الربح،
بل نهب كل حقوق المؤلف.

يتنوع كل زوقل من هؤلاء حسب موهبته وبيئته، ففي الساحة المصرية، وجوه كثيرة،
منها من فشل في فرض ذاته المتضخمة بالإبداع (إذ يظن أنه مبدع)، وقرر أن يكون ناشرا،
ليطبع ما تجود به إنشائيته على أساس أنها درر أدبية، ويستغل بدوره أصدقاءه المتعثرين
مع الدور الكبيرة لينشر لهم على نفقتهم. وثمة آخر كان عاملا بإحدى دور النشر الكبيرة
الخاصة، وعرف طرق التهليب، ومن أين تأتي السبوبة، فقام بسرقة عناوين الكتب الأكثر مبيعا
لحسابه.. وفي أية مطبعة مجهولة يعيد فيها طباعة هذه الكتب، ومن ثم يفتح دار نشر ليسرق
على مستوى أكبر. وهناك من دخل المجال طمعا في الاستثمار واستغلال طموح الشباب في أن
يطبع اسمه حتى لو كان على قشر بطيخ. إذن أيكون لمثل هؤلاء مصدر ثقة وأمانة على الروح
الثقافية للأمة؟

وفي ذات النهج اتبعت بعض دور النشر الكبيرة (سواء في لبنان أو الأردن أو مصر أو في غيرها من
الدول العربية) سياسة فرض الهيمنة والسرقة على نطاق أوسع، وقامت باستغلال المبدع المغمور(غير
الواثق في نفسه وإبداعه) في الطلب منه بدفع تكلفة عمله بمبلغ ضخم ليصل إلى ألفي دولار
وأكثر(…!!) وهذا على اعتبار أن المؤلف من لصوص عليا القوم، والحقيقة لو كان دخله
الشهري أو حتى السنوي بالدولار ما كان احترف مهنة وجع القلب الإبداعية.!

يعري هذا الخلط في المفاهيم سوء العلاقة الرفيعة بين
الناشر والكاتب، فضلا على انعكاس هذا الاستغلال على واقعنا الثقافي وحركته الإبداعية،
مما أدى إلى تدني المُنتَج الإبداعي القائم على التأليف والصناعة الإبداعية القائمة
على النشر. وبالطبع هذا يقودنا إلى حقيقة أخلاقية مفداها أن لكل طموح واهم غير ناضج
يقابله ناشر بلا ضمير، وهي واقع أفرزه المناخ السيء لسوق الكتاب وعرضه ونشره.

يا مبدعي العالم العربي اتحدوا وعززوا إبداعكم ولا تبخسوا بضاعتكم في الخضوع
لسطوة الزواقيل. وأنتم أيها الناشرون الرحمة بالمؤلفين، وارجعوا إلى رشدكم وتدقيقكم
وأمانتكم التي كانت مثالا للفخر وللعلم والثقافة.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *