حلب- مصطفى محمد
وكأن هذه المدينة على موعد دائم مع الموت والشقاء، فمن حالفه الحظ ونجى من جحيم البراميل المتفجرة التي لاتكل طائرات النظام عن إسقاطها على المدينة، هو بالتأكيد لايزال يكابد هموم الحياة هنا، بدءاً من الفقر الشديد وغياب فرص العمل، مروراً بغياب الخدمات عن المدينة، وصولاُ إلى الأمراض المتفشية بالمدينة.
التهاب القصبات الشعرية
محمد، ليث، وعشرات الأطفال لم يكونوا ضحايا حرب، بل ضحايا لجائحة (rsv)، أو ما يعرف التهاب القصبات الشعرية، التي تسجل انتشاراً مخيفاً في المدينة وريفها، إذ سجل الريف الغربي للمدينة أعلى نسبة إصابة، حيث وثق ناشطون وفاة عدة رضع جراء هذا المرض، كان آخرهم الرضيع محمد عبد الرحيم، والذي مات قبل أن يصل المشافي التركية بعد أن عجزت مشافي الداخل عن استيعابه بسبب الكم الكبير من هذه الحالات، سيما وأن هذا المرض يحتاج إلى أجهزة تنفس اصطناعي وهو الأمر الذي إن توفر في مشافي الداخل، فهو متوفر بأعداد قليلة.
يأتي هذا مقابل عجز شبه تام تبديه المؤسسات الصحية، والمعنية بالشأن الصحي، نظراً لمحدودية عدد الأسرّة لديها، وعدد المعدات اللازمة لعلاج هذا المرض.
ويشرح الطبيب عبد الرحمن حافظ، مدير مشفى الحرية الميداني لـ”صدى الشام” عن طبيعة هذا المرض بالقول، “هو مرض ناجم عن فيروس، يصيب الصغار والكبار معاً، في آن واحد، وتعتبر فترة أواخر الشتاء وبداية الربيع، الفترة الأعلى في تسجيل حالات الإصابة بهذا المرض”.
ويضيف الطبيب حافظ ، “كون هذا المرض ناجم عن فيروس فهو قابل للانتقال والعدوى عبر الرذاذ اللعابي المصاحب لعطاس وسعال المريض، وفي غياب الشروط الصحية المناسبة من، وانتشار لوسائل التدفئة غير صحية، يكون هذا الفيروس في قمة نشاطه، لذلك لابد من معالجة الحالات المصابة به في مراكز مخصصة، تحتوي على معدات مناسبة”.
وبحسب حافظ، فإن “تشخيص هذا المرض سهل من الناحية الطبية، وأدويته غير مرتفعة الثمن، إلا أن المشكلة الأكبر في هذا المرض هي حاجته إلى المشافي، وهذا غير متوفر، فضلاً عن موجة البرد القاسية التي شهدتها البلاد هذا العام”.
حبة السنة (اللشمانيا)
تعتبر مدينة حلب من المدن الموبوءة باللشمانيا قديماً وحديثاً، إلى حدٍ اقترن فيه هذا المرض الطفيلي المنشأ باسم المدينة (حبة حلب)، وهذا المرض ليس جديداً على المدينة، ويعود تاريخه إلى عقود كثيرة من الزمن، أما الجديد فيه كثرة حالات الإصابة، وقلة المراكز الصحية التي تعالج هذا المرض، ونقص الجرعات على اعتبار أن الحالة الواحدة تستهلك قرابة الـ15 جرعة.
وينتقل هذا المرض عن طريق قرصة “ذبابة الرمل”، وهي حشرة صغيرة جداً لا يتجاوز حجمها ثلث حجم البعوضة العادية، لونها أصفر وتنتقل قفزاً، ويزداد نشاطها ليلاَ، ولا تصدر صوتا، لذا قد تلسع الشخص دون أن يشعر بها، وتنقل “ذبابة الرمل” طفيلي اللشمانيا”، عن طريق مصه من دم المصاب (إنسان أو حيوان)، ثم تنقله إلى دم الشخص التالي، فينتقل له المرض ويزداد انتشارها في المناطق الزراعية والريفية.
وتشكل المخيمات الحدودية المقامة على الأراضي السورية، مرتعاً خصباً لهذا المرض، حيث تجاوزت نسبة الإصابة بهذا المرض في مخيم باب السلامة الحدودي، الـ15%، من عدد سكان المخيم الكلي وذلك بحسب تقديرات غير رسمية.
“الأوساخ والنفايات، وتجمع أعداد كبيرة من السكان في مكان واحد، هو السبب الأول في انتشار هذا المرض، وصعوبة هذا المرض تكمن في عدم توفر لقاح له، لأن علاجه يكون بعد الإصابة فقط”، هذا ما قاله الطبيب مؤيد قبطور في حديثه لـ”صدى الشام”.
أما الناشط الإعلامي حارث عبد الحق، فقد تحدث عن أعداد كبيرة من المصابين بمرض اللشمانيا بعد زيارته لهذا المخيم، وذهب إلى حد وصفها بالـ “الكارثة الانسانية”.
وشرح في حديثه لـ”صدى الشام”، “عن الأوضاع الصحية السيئة التي يعايشها سكان المخيم، من غياب للخدمات، وانتشار للأوساخ، وعدم تغطية مجاري الصرف الصحي، ورغم توفر مركز للعلاج، إلا أن الظروف الإنسانية، والاقتصادية السيئة التي يعايشها النازح، وطول فترة علاج هذا المرض، جعلت الملل والإهمال يتحكم في تصرفات أغلب الأسر، وهذا بحسب حارث أيضاً”.
تفشي الجرب..
يرتبط هذا المرض بالنظافة الشخصية، والتي بمجرد أن يهملها الشخص فإنه سوف يكون عرضة لهذا الداء، الذي تسببه “هامة الجرب”، والتي تنتقل من شخص لشخص عبر الاستخدام المتبادل للأغطية والفراش بين أبناء الأسرة، وتواجد أعداد كثيرة من الأشخاص في أماكن ضيقة.
وفي وقت سابق طالب ناشطون من أبناء مدينة حلب، بعد اكتشاف أحياء موبوءة بهذا المرض، المؤسسات الصحية توفير دواء لهذا المرض، بعد أن ازداد الطلب عليه في عموم أحياء المدينة.
في الوقت الذي تعاني فيه المدينة من نقص حاد في مياه الشرب، المتطلب الأهم لعلاج هذا المرض، بسبب الاستهداف المباشر الذي تتعرض له شبكة مياه المدينة، ونقص المحروقات لمحركات الضخ، فضلاً عن نقص منسوب المياه الواردة إلى المدينة، من نهر الفرات عبر قساطل مغلقة.
عدوى القمل
تقع ربة المنزل نور (44 عاماً)، وهي الأم لخمسة أطفال، في حيرة من أمرها، فهي تريد لطفليها أن يذهبان إلى المدرسة، حتى يتابعوا مشوارهم التعليمي، لكنها تخاف من انتقال عدوى القمل إليهم، وذلك بعد تفشي هذا المرض في أغلب مدارس المدينة.
تقول نور، وهي التي تقطن في ريف المدينة: “القمل مرض مخجل اجتماعياً، ويتطلب فترة علاج طويلة، وظروف صحية مناسبة، أهمها توفر المياه، وهذا كله غير متوفر هنا”.
وتشكل المدارس، والمعسكرات، المكان الأنسب لانتقال هذا المرض الذي تسببه حشرة صغيرة تشبه “العنكبوت”.
من جهته، يقول الصيدلي فراس، “إن نسبة الطلب على الأدوية المعالجة لداء القمل تسجل ارتفاعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، وساعد في ارتفاع الطلب أيضاً توزيع أدوية من جهات إغاثية غير فعالة مطلقاً”.
وفي حلب المدينة أعلنت عدة جمعيات عن توزيع أدوية للقمل مجاناً، وذلك إسهاماً منها في علاج هذا المرض، الذي غاب عن المدينة لفترات طويلة، ليعود اليوم بكثافة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث