طه علي الأمين:
“السمسرة”: “فضيلة من لا فضيلة له” في نظام الأسد. تلك الظاهرة الناتجة عن سلطة رجال الأمن، والتي استفحلت حتى باتت شعاراً في دمشق، فمن سماسرة المازوت، والغذاء و”لقمة العيش”، وسماسرة الحواجز الأمنية وما يمنح لهم من تسهيلات كي يسرقوا أبناء وطنهم، إلى سماسرة المعتقلين وتجار البشر.
يحاول تحقيق “صدى الشام” التالي تسليط الضوء على تلك الظاهرة بكل جوانبها، ومعاناة المواطن من آثارها، إضافة للبحث في المجلات التي حولها الشبيحة وغيرهم من ضعاف النفوس إلى مجالات للاستثمار واستغلال الناس.
سماسرة رحلة المازوت
ينتظر “محمد/ سائق سرفيس” اللحظة الموعودة لوصول المازوت إلى كازيات شارع بغداء وحاميش وغيرها من نظيراتها، يعيش لحظات تخلدها الذاكرة، لحظات لا ينساها “محمد” أو أي أحد، وتحديداً عندما يأتي المازوت، ليبدأ السباق والمعارك للحصول عليه المازوت، ذاك السباق الذي يمكن أن تتفاداه في حالة واحدة؛ “هين فلوسك ولا تهين نفوسك” فعليك أن تلجأ إلى سماسرة المازوت أو الحرب، لشرائه بثلاث أضعاف. يقول محمد: إن “غالبية السماسرة، إما من اللجان الشعبية والدفاع الوطني، بمجرد أن يبرز أحدهم بطاقة أمنية، فهو قادر على الحصول على الكمية المطلوبة من المازوت، وبيعها في سوق السمسرة بثلاث أو أربع أضعاف، بالمقابل فأن السعر الحكومي للمازوت هو 125، لكنه الكازيات تبيعه حالياً بمبلغ 150، أما لدى السماسرة فيتجاوز 350 ل.س في بعض الحالات”.
في حين يؤكد “علي” الموظف أن بعض زملائه في العمل تفرغ مع أحد عناصر اللجان الشعبية في حي الدويلة لبيع المازوت، مؤكداً هذا العنصر على تواصل مباشر مع صاحب الكازية الذي يوفر له الكمية المطلوبة، مقابل مبلغ يتفق عليه، في حين يعتبر “أحمد/سائق” نفسه مدللاً، إذ أنه يشتري ليتر المازوت من أحد السماسرة بسعر 250 ل.س، وذلك بالاتفاق مع عمال الكازية، وهم موظفون رسميون برواتبهم الشهرية،
بالمقابل يؤكد “أبو جعفر” العامل في إحدى كازيات دمشق لـ”صدى الشام” أن، “هناك تواطؤ من أصحاب المحطات مع بعض السماسرة الذين يشترون كمية كبيرة ضمن المحطات لبيعها في السوق السوداء، إضافة لتغيير لتغير مقصد الصهريج الذي يقوم بتفريغ جزء من المازوت خارج المحطات، وذلك لقاء مبلغ يتقاسمه الطرفان، ناهيك أن هناك بعض سائقي الصهاريج يحتفظون بجزء من المادة دون علم صاحب المحطة الذي يقوم بتعويض النقص من جيوب الناس”.
سمسرة قوت الناس
سلسلة رحلة الفساد تبدأ بموظف يربح من تاجر، و تاجر يضاعف رأسماله على حساب السائق، ليقوم الأخير برفع أجور النقل، فيتحمل التكلفة الحلقة الأضعف “المواطن” صاحب الدخل المحدود، دون إغفال حالة النزوح والتهجير والتدمير لأسر منكوبة بفقد أبنائها أو مهمومة بتهجيرهم أو مكلومة باختفائهم، أضف أيضاً معاناة الحصول على المعونات لغالبية العائلات السورية، وسرقة معظمها قبل أن تصل إليهم، أو تصل إليهم منقوصة، أو تأتيهم تقطيراً، فعمليات السمسرة لم تتوقف عند المازوت والبنزين، والغاز، لكنها وصلت إلى “لقمة مغمسة بالذل”، إذ تباع معوناتهم أو ترسل لأشخاص ليسوا متتضرين نهائياً، وهو ما حصل مع أحد الأشخاص من اللجان الشعبية في مدينة جرمانا، إذ يملك مع عائلته أربعة منازل في جرمانا، لكنه يحصل على معونات ويبيعها في محله بدويلعة، حيث تمتلئ رفوف محله التجاري بالبضائع التي تحمل شعارات الأمم المتحدة والهلال الأحمر، وذلك بالاتفاق مع السماسرة، بالمقابل لا تذهب أي معونة “لعبد الرحمن” المقيم في حي الكباس، رغم أن منزله تضرر منزله بنسبة 50%، وعليه يقول: “نعامل بسياسة الكيل بمكيالين فعناصر الدفاع الوطني يقودون عمليات توزيع المساعدات وهم لا ينصفون أحداً، فأنا تضررت ولم أحصل على أي شي في حين جاري حصل على معونات وأعاد محله من المسروقات”.
تعددت والنهب واحد
تعاني مراكز الإيواء من أوضاع معيشية قاتلة، نتيجة عدم انتظام توزيع المواد الغذائية بكثير من الحالات، في حين يؤكد ناشطون أن السرقة والبيع هما مصير أغلب هذه المساعدات، رغم تقديم العديد من المنظمات الإغاثية والجمعيات الخيرية مساعدات كبيرة لهم، بناء عليه يقول “عمر حسن”: “تختلف الطرق والاحتيال في سرقة الناس ضمن مراكز الإيواء، فهناك لجان مسؤولة تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية تتلاعب بعدد العائلات المحتاجة، في حين تسرق الكثير من السيارات المخصصة للتوزيع من قبل حواجز النظام أو شبيحته”.
ويضيف، ” بالمقابل تلجأ بعض الأسر لبيع مخصصاتها من المساعدات، نتيجة الفقر والحاجة لمواد أشد ضرورة، وإن كان القانون يمنع فإن قوانين عناصر الأمن لا تمنع، وعليه يفرض على العائلات بيع المساعدات لهم أو لسماسرة لهم نفوذ هناك، أما عدد كبير من النازحين الذين خسروا ممتلكاتهم وأعمالهم، فيحاولون البحث عن فرص عمل”.
العقارات.. ملعب السمسار
تحوّلت أزمة السكن إلى كارثة إنسانية حقيقية بعد أنّ دمرت الحرب الدائرة في البلاد زهاء أكثر من مليون ألف مسكن، منها 500 مسكن مهدمة بشكل كامل، و550 ألف مهدمة جزئياً، الأمر الذي دفع بأعداد كبيرة من السوريين للنزوح أو الاستئجار ضمن مناطق أكثر أمناً، هنا تلقّفهم سماسرة الحرب ليفرضوا استغلالهم على النازحين والمشردين، ففي بعض المناطق بدمشق، وصلت قيمة الإيجار الشهري للشقة المفروشة إلى حوالي 100 ألف ل.س، ما اضطر النازحين إلى بيع ما تبقى مدخراتهم والرضوخ لشريعة الغاب “شريعة السماسرة”، نظراً إلى انعدام البدائل أمامهم، لكن “محمد الحلبي” رفض هذه البدائل وسكن في سيارة عمله، أما أخوه فسكن في مكان عمله ضمن معمل الجرابات، بالمقابل يؤكد “مصعب” أن سماسرة العقارات منتشرة بشكل كبير وهو تعرض لها عندما أراد أن يسكن في حي المزة، إذ أكد أن صاحب المكتب يطالب المستأجرين بأجرة تزيد 20 ألف عن سعره الحقيقي، وهذا بالاتفاق مع صاحب المنزل، حينها يضرر المستأجر للرضوخ حتى لا تنام عائلته دون مأوى، إذ أنه دفع 75 ألف أجار منزله رغم أنه لا يستحق هذا الرقم لكنه خشي أن تبقى عائلته دون مأوى.
للسمسرة تقسيطها أيضاً
طلب منها أن تدفع 150 ألف كي تخرج من مدينة دوما إلى دمشق، لم تستطع أن تدفع المبلغ كاملاً فكان الاتفاق على أن يتم الدفع تقسيطاً، هذا ما أكدته “أم محمد” لـ”صدى الشام” وعليه تقول: “خرجت من شهور من مدينة دوما أنا وولدي المعاق ولم أستطع أن أعيش هناك نتيجة الحصار المفروض على المدينة، لذلك حاولت الخروج وأرشدني أحد الناس هناك لحاجز يستطيع أن يساعدني على الخروج، مقابل مبلغ من المال فطلب 150 ألف ل.س ولم أملك المبلغ فقررت أن أدفع له 50 ألف وكل شهر عشرة ألاف”.
بالمقابل يؤكد بلال صاحب محل خضار أنه حين يعود من سوق الهال ومعه ضمن السيارة خضار وفواكه كي يبيعها في محله يدفع ما لا يقل عن 5 ألاف ل.س لحاجز جديدة عرطوز، وينوه أنه حين لا يدفع يضطر أن ينزل جميع البضاعة، ليتعرض قسم كبير منها للتلف أو للسرقة من عناصر الحاجز، فأصبح يعلم تسعيرة الحاجز ويقوم بالدفع لهم شهرياً حوالي 100 ألف ليرة سورية، ما يضطره إلى بيع بضاعته بسعر أعلى، مؤكداً أنه لا يستطيع أن يشتكي ولا يوجد قانون يحاسب. في حين “علاء” وهو سمسار الهجرة والجوازات فقد بلغ دخله اليومي ما لا يقل عن 50 ألف ل.س سورية نتيجة قدرته على تحصيل أو تجديد جواز سفر تجديد أي جواز سفر لأي شخص، وذلك بالاتفاق مع ضباط داخل الهجرة والجوازات.
لتبقى السمسرة مجالاً متاحاً للجميع في ظل حكم الأسد وشبيحته، ولا يردع هذا المجال في هذا التوقيت بالذات سوى العامل الأخلاقي، الذي انتفى لدى الكثيرين، وكأن ما مر على سورية في هذه الأعوام العجاف ليس كفيلاً بتغيير النفوس، ولكن يبدو أن النتيجة تتلخص في مبدأ ” خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام” فمن كان شريفاً قبل الثورة لم تزده سنينها إلا شرفا، ومن كان جشعاً لم تزده إلا جشعاً وظلما.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث