الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / الحكومة السورية المؤقتة من زاوية نظر نقدية ساخرة

الحكومة السورية المؤقتة من زاوية نظر نقدية ساخرة

د. رفعت عامر

إن
مراجعة جدية لتاريخ الصراعات والأزمات التي مرت بها شعوب مختلفة حول العالم، ومنها
الأوروبية، كان من الطبيعي أن تكون دروساً وعبراً لنا كسوريين (رغم فرادة
واستثنائية الظروف والتعقيدات التي أحاطت بالسوريين وثورتهم)، لا بل من الطبيعي أن
تكون محفزاً ودافعاً لنا لامتلاك منهجية التفكير والأدوات التي أدارَ بها
الأوربيون تلك الأزمات والمحن.

السوريون
مبدعون بحكم تضافر عوامل حضارية عديدة غائصة في التاريخ، وليس بحكم عوامل وراثية،
كما يمكن أن يعتقد البعض. ودلت تجربة الأربعين سنة الماضية على ذلك عندما استطاعوا
تجاوز ذاك الحصار والمنع من دخول المنتجات الأجنبية إلى الأسواق المحلية بإيجاد
بدائل من قطع الغيار والمواد الوسيطة للصناعة ووسائل النقل. وحتى ظاهرة المسرح
والفن والدراما دلت على إبداعهم عندما ازدهرت وعاشت عصرها الذهبي برغم غياب
الحريات، المولد الأساسي لها.

لقد أبدع
السوريون العاديون في بداية الثورة في مواجهة ومقارعة أعتى وأشد وأقسى حكم
استبدادي في التاريخ، ولكن الغريب في الأمر أن قيادتهم ومثقفيهم وطلائعهم بقيت
عاجزة ليس فقط عن الإبداع وتعلم الدروس من الآخرين، لا بل لم تتعلم وتستفد حتى من
تجاربها ودروسها الخاصة، وعجزت حتى عن وقف التدهور الحاصل في مسار الثورة، ومازالت
“تعلك” وتجتر وتعيد أخطاءها بشكل تراجيدي وهزلي أحياناَ.

استوقفتني
فكرة لأحد الكتاب السوريين في مقال “حكومة البطيخ المؤقتة”، مستوحياً
فكرته النقدية الساخرة من تاريخ حكومات الموز التي تعمل فقط عندما يتوفر محصول جيد
للموز وتسقط فورا عندما يغيب المحصول، كما هو الحال في الحكومة المؤقتة التي تعمل
عندما يأتيها الدعم وتتوقف عند غيابه. وأنهى مقالته، ينصحها بزراعة البطيخ في
المناطق المحررة علّه يشكل مورداً لها وتكفّ عن طلب المساعدات من الخارج.

ونحن
هنا نعرض فكرة أقوى للتطبيق والفائدة، وإن كانت أيضاً ساخرة، ولكنها تحمل في
طياتها قسطاً كبيراً من الحقيقة، وهي زراعة البطاطس وتربية الأرانب في الأراضي
المحررة، حيث ظروف الطقس والمناخ ملائمة لزراعتها، وحاجة السوريين ماسة للاكتفاء
الذاتي من النشويات والبروتينات، والكف عن انتظار الدعم والمساعدات. كما حدث في
أوروبا منذ القرن السادس عشر.

لقد عانت
أوروبا طويلاً من ويلات الحروب والمجاعة قبل أن تكتشف البطاطس وتربية الخنازير، التي
غيرت وجهها، ومن ثم وجه العالم فيما بعد، عندما انتشرت زراعة البطاطس وقدمت مصدراً
رخيصاً للطاقة (النشويات)، استعاض به الأوروبيون عن كل المواد الأخرى ما عدى
البروتينات، التي تم أيضاً تأمينها بتربية الخنازير التي توافقت مع ظروف البيئة
الطبيعية لأوروبا وتكاثرت بسرعة، ووفرت مصدراً رخيصاً من اللحم (البروتينات)، وبظهورهما
معاً ودعت أوروبا كلياً المجاعة والعوز.

لقد
مرَ أكثر من عام على قيام الحكومة المؤقتة، ومع ذلك بقيت عاجزة عن توفير الحد
الأدنى من حاجات السوريين وإدارة أزماتهم (مع درايتنا للظروف والإمكانيات المتاحة،
للفرص والتهديدات المحيطة بها، ومحدودية الدعم المالي)، ولكن المتاح منها لو تم
استثماره بشكل رشيد كان يمكن أن يحقق الحد الأدنى في الاعتماد على النفس وتحقيق
الاكتفاء الذاتي. ولكن الوقائع تشير إلى عكس ذلك، فقد عجزت الحكومة حتى الآن عن
توجيه وإدارة الموارد المادية والبشرية المتاحة. وعجزت مؤخراً عن تنفيذ التزاماتها
(وإن كنا لا نعرف عنها الكثير بسبب غياب الشفافية والمعايير، وهي في أغلبها خطابات
وجمل إنشائية موجه للإعلام وليس للفعل) يؤكد عدم فاعليتها.

فهذه
حكومة تخدم رئيسها ووزراءها وموظفيها أكثر مما تخدم الشعب السوري، وسمعتها سيئة
الصيت بسبب سوء إدارتها. وتجاذب مصالح جهاتها المتعددة أوصلها إلى وضع غير لائق بالمطلق
بحكومة ثورة.

عاني السوريون الكثير من ويلات الفقر والمجاعة
بسبب النظام الجائر المستبد، ومازالوا مستمرين في المعاناة دون أمل قريب في الحل، مما
يستدعي منا استنفار طاقة العقل والإبداع، وإعادة هيكلة مؤسسات المعارضة، وعلى
الأخص “الحكومة المؤقتة”، بتحويلها إلى هيئة عامة للزراعة والإغاثة،
والاعتماد على زراعة البطاطس حيث سيكون صعباً على النظام ملاحقة حقول البطاطس
وتدميرها كما يدمر الجسور والمدن والمعامل، وستؤمن الحاجات الضرورية للجسم من
النشويات (الطاقة) كبديل عن المواد الأخرى، وتربية الأرانب التي تتكاثر بسرعة
هائلة وتكلفة قليلة، ونكون بذلك قد استفدنا من تجربة الأوروبيين في زراعة البطاطس
وتربية الأرانب بدلاً عن الخنازير. وبدل أن تكون حكومة مؤقتة بوزارات متنوعة، لا فائدة
مرجوة منها حتى الآن، موازنات ومشاريع وهمية موجودة فقط على الورق، وتكاليف في
غالبها تذهب على بنود الرواتب والأجور والمكافأة والسفر والمهمات، وقرار رئيس
الحكومة الأخير الذي يمنح كل وزير مكافأة نهاية خدمة مبلغاً قدره 15 ألف دولار،
دليل آخر على عدم جدية هذه الإدارة.

ومن
المتوقع أن يرفض المسؤولون فيها مشروع إعادة الهيكلة والتحول إلى هيئة عامة
للزراعة والإغاثة، ولذلك نقترح عليهم خياراً أخر، وهو توجيه الموارد المتبقية
والمحتملة نحو زراعة البطاطس وتربية الأرانب، وعندها نحافظ عليها اسمياً “حكومة
مؤقتة” تُرضي غرور الكثيرين منهم، ولكنها فعلياً ستكون حكومة إنتاج البطاطس وتربية
الأرانب.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *