العميد الركن أحمد رحال - محلل عسكري واستراتيجي/
الجميع متفق خارج تركيا وداخلها أن ليلة الجمعة_السبت كانت الأصعب في تاريخ الشعب التركي منذ عام 1923، والجميع متفق أيضاً أن الحركة الانقلابية كانت كبيرة بحجمها، لا كما صرحت بعض القيادات السياسية التركية من أنها “مجموعة صغيرة” من الضباط، فاعتقال قائد الجيش الثاني والثالث ورؤساء أركانهما، مع الكثير من قادة المناطق والقواعد وبعض قادة الألوية المدرعة، مع اعتقال العديد من القادة المسرحين وأكثر من (29) كولونيل وخمسة جنرالات تعطي صورة واضحة عن حجم الحركة الانقلابية التي تمت على الأراضي التركية.
الساعة العاشرة مساءً كانت اللحظة المحددة لبدء حركة الانقلابيين، والتي حددت أهدافها بالسيطرة على رئاسة الأركان ومقر الحكومة ومقر المخابرات العامة والبرلمان والتلفزيون الرسمي التركي ومحطة الأقمار الصناعية الخاصة بالبث الفضائي وجسر “محمد الفاتح”، ومع تعثر تحقيق تلك الأهداف، تحركت طائرات القواعد الجوية المشاركة بالانقلاب لتقصف مبنى المخابرات ومبنى الأركان وقاعة البرلمان والفندق الذي يتواجد به الرئيس “رجب طيب أردوغان”، والذي يقضي به إجازته الصيفية، والذي غادره قبل لحظات بعد رسالة مقتضبة من قائد الجيش الأول في “استانبول” يقول فيها: “سيدي الرئيس أنت في خطر وأنت من نعترف به رئيساً شرعياً وأنا مستعد لحمايتك وتأمين إقامتك فقط توجه لاستانبول”. ومع مغادرة الرئيس “أردوغان” للفندق الذي يقيم فيه، تكفل الطيران الحربي بإسقاط حوامتين كانتا تناوران في سماء المنطقة لقصف الفندق والموكب الرئاسي، ولم يتوقف القصف الجوي على تلك المناطق بل طال ساحة تقسيم في مدينة استانبول ومطارها (مطار أتاتورك).
للمفارقة التاريخية أن ما حاربه الرئيس “أردوغان” كان منقذه في اللحظات الصعبة، فمع وصول “أردوغان” للحظة اليأس من إمكانية الوصول إلى محطة تلفزيونية يحاول من خلالها طمأنة شعبة ومحاولة سحب بساط السلطة الذي بدأ الإنقلابيون بالتمكن منه بعد بثهم لبيانهم رقم (1) عبر شاشة التلفزيون التركي الرسمي، لم يكن أمامه سوى خدمة التواصل الاجتماعي “التويتر” لتصل من خلالها رسالته إلى الشعب التركي، وعبر محطة تلفزيونية معارضة لطالما أغلقها (سي إن إن تركية)، وبرسالة استمرت لدقائق كانت كافية لقلب الطاولة، ومعها خرج الشعب التركي إلى الشوارع ليمارس دوره الرائد في حماية خياراته وقيادته ومشروعه الذي منح فيه الثقة لحزب العدالة والتنمية. ومع وصول أخبار بوجود بعض قياديين من الانقلاب على إحدى الحوامات تم إصدار أمر لإحدى الطائرات المقاتلة التابعة للسلطات الشرعية بالإقلاع وإسقاط تلك الحوامة فوق أنقرة، وتم الأمر بنجاح وقتل فيها (ثمانية) ضباط من قادة الانقلاب، ومن هنا بدأ مؤشر السلطة ينحرف ويتراجع ويعود باتجاه حكومة “بن علي يلد ريم” والرئيس “رجب طيب أردوغان”.
ما قام به الشعب التركي الذي غطى شوارع مدينة “استانبول” وبقية المدن كان أمراً لا يصدق، فقد خرج جميع أبناء الشعب التركي، شيباً وشباباً، صغاراً وكباراً، وبصوت واحد وقلب واحد مع تكبيرات صدحت بها مآذن كل المساجد بوقت واحد
ما قام به الشعب التركي الذي غطى شوارع مدينة “استانبول” وبقية المدن كان أمراً لا يصدق، فقد خرج جميع أبناء الشعب التركي، شيباً وشباباً، صغاراً وكباراً، وبصوت واحد وقلب واحد مع تكبيرات صدحت بها مآذن كل المساجد بوقت واحد، وكانت مواجهتهم مع المدرعات والجنود الذين سيطروا على بعض مفاصل الدولة. ومع ولاء جهازي الشرطة والمخابرات للشرعية وبمساندة شعبية، بدأ الانقلابيون بالتراجع وتسليم أنفسهم. أيضاً قدرة حامية البرلمان ومبنى المخابرات وقيادة الشرطة على منع وصول جنود الانقلاب ساهم بالحد من تمددهم. فقط بناء الأركان سقط بأيديهم واستطاعوا اعتقال رئيس الأركان الجنرال “خلوصي أكار” (المعروف بولائه للرئيس أردوغان) وتم نقله لجهة مجهولة.
لماذا فشل الانقلاب؟؟؟
أصبح من الواضح أن هناك عدة أسباب ساهمت متلازمة مع بعضها بفشل الانقلاب وأهمها:
1- عدم قدرة الانقلابيين على السيطرة على رؤوس السلطة السياسية والعسكرية من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية والقادة العسكريين، باعتبار أن القائمين بالانقلاب من العسكر هم من النسق القيادي الثاني وبعيداً عن تأييد وموافقة “رئاسة الأركان العامة” للجيش التركي.
2- موقف الأحزاب المعارضة الذين اثبتوا وطنيتهم وأثبتوا حرصهم على الديموقراطية في بلدهم، وأن قاعدة (عدو العدو صديق) لا مكان لها في قضية الأوطان، وبالتالي كان خيار كل أحزاب المعارضة دعم الديموقراطية ورفض الانقلاب.
3- موقف الشعب التركي الذي رفض الانقلاب ورفض التضحية بخياراته الانتخابية وواجه الحركة الانقلابية بشجاعة منقطعة النظير، وكانت سبباً واضحاً في انتصار الحكومة المنتخبة.
4- انقسام الجيش التركي وعدم قدرة الانقلابيين في كسب تأييد كبار جنرالات الجيش التركي، وبالتالي حدثت المواجهة وأدت لإضعاف قدرة الانقلاب على إكمال الطريق.
5- ولاء جهازي المخابرات العامة والشرطة للسلطة الشرعية وقيامها بالتصدي بكل قوة، واعتقالها لمعظم جنود الجيش الخارجين عن السلطة وتحرير محطات التلفزة التي وصلها الانقلابيون واستطاعوا من خلالها بث البيان رقم (1) لانقلابهم.
6- ظهور الرئيس “أردوغان” سالماً على شاشات الفضائيات وعدم القدرة على قطع خدمة الإنترنت عن الشعب التركي، والذي كان له مفعول السحر لدى الشعب التركي واستجاب لطلبه بالنزول للشارع ورفض منع التجول ومواجهة الانقلاب.
7- سقوط الحوامة فوق العاصمة “أنقرة” والتي تحمل بعض قادة “الانقلاب” وتصريح الداعية “فتح الله غولن” الرافض للانقلاب، كان نقطة تحول بمسار الانقلاب أيضاً.
ما الأخطاء التي أضعفت الانقلاب؟؟؟
من المؤكد أن علاقة الجيش التركي بحاضنته الشعبية كانت تاريخياً تتسم بالقوة وتصل لمرحلة القداسة، وتلك نقطة يتفاخر بها الأتراك، لكن أن تقوم الطائرات التابعة لجيش الشعب بقصف مبنى البرلمان ومبنى المخابرات وقصر الرئيس “أردوغان” والفندق المتوقع تواجده فيه وبعض الساحات العامة ومطار “أتاتورك”، كانت غلطة كبيرة وفادحة وخطأ استراتيجيا أدى إلى ادة لى ااابتعاد الشعب عن “الانقلاب” وتموضعهم إلى جانب السلطة، فتلك الأحداث أصابت الأتراك بالدهشة وولدت لديهم حالة من ردود الفعل والغضب انعكست إرادة بمواجهة الانقلابيين، وبوحدة شعبية أضافت قوة لرجال الشرطة والمخابرات الذين انتشروا لمواجهة الجيش المنقلب على السلطة.
الحركة الانقلابية أرادت أن تستبق استحقاقاً حدده الرئيس “أردوغان” والقيادة العسكرية للتخلص من خصومه داخل الجيش بعد أن تم تحديد الشهر الثامن (القادم) لاجتماع “مجلس الشورى العسكري” الذي يعتبر أكبر هيئة عسكرية تتحكم بالإقالات والتنقلات والترقيات وتسليم المناصب داخل الجيش التركي، وكان المراد من هذا الاجتماع التخلص ممن يٌشك بولائهم وخصوصاً التابعون للداعية الإسلامي “فتح الله غولن”، المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية وشريك الرئيس “أردوغان” في وصوله للسلطة قبل أن ينقلب عليه. ويعتبر (غولن) المنظم للدولة الموازية التي ستطيح بحكومة “حزب العدالة والتنمية”.
مع انفراج أسارير الشعب التركي بإحباط الانقلاب ومع الابتسامة التي عادت لوجه الرئيس “أردوغان” بعد خطاب سريع ألقاه بعد وصوله إلى مطار “أتاتورك”، بدأت حركة تنظيف وإقالات وإعفاءات وتسريح واعتقالات ضخمة وغير متوقعة، شملت الكثير من ضباط الجيش وأكثر من (2745) قاضياً ونائباً عاماً، مع عزل خمسة من أعضاء المحكمة العليا وتوقيف (10) أعضاء من المحكمة الإدارية وبدء البحث عن (140) من محكمة النقض.
الحملة التي انطلقت صبيحة السبت بدت وكأن اللوائح كانت محضرة وجاهزة وتنتظر فقط لحظة البدء، والواضح أنها جاءت رداً انتقامياً من الحكومة على الحركة الانقلابية، والتي شملت كل مؤيدي الداعية “غولن” أو من يٌشك بولائه للسلطة الحاكمة.
الحملة التي انطلقت صبيحة السبت بدت وكأن اللوائح كانت محضرة وجاهزة وتنتظر فقط لحظة البدء، والواضح أنها جاءت رداً انتقامياً من الحكومة على الحركة الانقلابية والتي شملت كل مؤيدي الداعية “غولن” أو من يٌشك بولائه للسلطة الحاكمة، لكن أخطر ما بالأمر كان توجيه صفة الإرهاب لبعض قطاعات الجيش القائمين بالانقلاب وتشبيههم لإرهاب حزب العمال الكوردستاني المعروف بعداء الشعب له على جرائمه، وهذا ما سيشكل شرخاً كبيراً بعلاقة الشعب بالجيش، والتي اتسمت على مر العقود السابقة بعلاقة حميمية واحترام وتقديس لجيش الشعب الحامي لدستور البلاد وحدودها.
ذيول الانقلاب لم تنتهِ بعد، وتصريح وزير الدفاع ليلة أمس أنه من المبكر الحكم بنهاية الانقلاب والإعلان عن الانتصار من المبكر قوله الآن، يعطي صورة واضحة عن عمق الحركة الانقلابية، وهذا ما أكده الرئيس ” أردوغان” عندما طلب من الشعب البقاء في حالة تجمهر ومظاهرات بالشوارع وكأنه يقول: ما زلت أحتاج قوتكم لإكمال المهمة.
أهم العبر والنتائج:
صحيح أن الشعب التركي فقد في تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة (265) قتيلا، وأصيب له (1440) مواطنا، وتم اعتقال ما يزيد عن ثلاثة آلاف عنصر من الجيش، لكن الشعب التركي ربح وطن، وأهم ما يمكن استخلاصه من تلك التجربة أن قدرة الشعوب لا تواجه ولا يمكن الانتصار عليها، وأن هناك فرقا شاسعا بين دولتين متجاورتين (سورية وتركية)، الأولى طلب رئيسها دباباته لمواجهة الشعب، والثاني خرج رئيسها ليطلب من شعبه مواجهة الدبابات، فخسر الأول وربح الثاني.
مبروك انتصار الشعب التركي … والشعب السوري بالانتظار ….
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث