الرئيسية / تحقيقات / لغز “كفرنبل”.. ثورة الفن السوري

لغز “كفرنبل”.. ثورة الفن السوري

عمر يوسف سليمان

لعل أكثر ما حير السوريين
منذ بدء الحراك وحتى اللحظة سؤالان: متى سيسقط النظام؟ وما سر تلك اللافتات
الفريدة والمدهشة التي يرفعها أهالي مدينة سورية صغيرة لا يتجاوز عديد سكانها
ثلاثين ألفاً وتُدعى (كفرنبل)؟

الاستمرار علامة الإبداع
الحقيقي، وخلال الثورة السورية ظهرت لافتات كثيرة مميزة في بعض المناطق ثم اختفت أو
أصبح نشاطها روتينياً
، على خلاف هذه المدينة التي تشهد حالة إبداعية متجددة لم
تنقطع في كافة الظروف، مما يزيد من حدة التساؤل، هل وراء هذا الإنجاز فرد واحد-كما
قد أشيع مراراً-يخشى على نفسه من القوى الأمنية لذلك بقي مجهولاً؟ أم أنه طابع المدينة
التي لم يسمع بها كثير من السوريين إلا أثناء الثورة؟

اختلاف أسلوب اللافتات
وتنوعها بين الكوميديا السوداء والحكمة البليغة واللغة الرصينة المكثفة والرسوم
الكاريكاتورية يدفعنا الاعتقاد بأن هذا الكم الإبداعي جهد فردي، بل هو طابع عام
بين سكان المدينة التي يتميز أبناؤها بالظرافة والذكاء وذوبان الأفراد في
العمل الجماعي. صحيح أن من يُنجز الرسوم الكاريكاتورية التي اشتهرت بها المدينة
فنان واحد، لكن الكادر المتكاتف والمهني على أصعدة الإعلام والكتابة ومونتاج مقاطع
الفيديو هو من كرس فرادة الحالة الفنية وخصوصيتها
.

لعل موقع المدينة الجغرافي،
بين معرة النعمان والبحر المتوسط قريباً من الحدود اللبنانية، وطبيعتها الخصبة،
وامتزاجها عبر مراحلها التاريخية بثقافات عدة، كالتركية والعربية والرومانية، كل
ذلك ولَّد خامة الإبداع التي تولدت فيها منذ أربع سنوات، وأفضت بها إلى العالمية كمدينةٍ
تشهد حراكاً فنياً فريداً في أصعب الظروف، وهو فن يترافق مع السخرية الحادة والوعي
بأخطاء الثورة لا سيما فيما يتعلق بالجيش الحر (سلاحك للجبهات وليس في الأسواق
والأفران)، والائتلاف الوطني (الائتلاف الوطني: حلة جديدة، توسعة مغرية، رجالي
نسائي محير، فرع خاص بالحوامل). ومن اللافت أن المدينة لم تحِد عن الخط الإنساني
والجمالي، على الرغم من تعدد المآسي والتقلبات السياسية والشروخ الطائفية التي
قسمت المجتمع السوري، فأدواتها الفنية تنطلق من قاعدة فكرية وطنية وثورية صرفة،
لذلك بقيت نواة صلبة لبناء سوريا بالثورة وليس لهدمها
.

لا تشبه أحداً..

(ألف موقعة جمل ولا ينزل برميل واحد يا خديجة)،
رفع أهالي المدينة هذه العبارة في شهر أكتوبر 2012، وهو الشهر الذي تعرضوا فيه إلى
قصف عنيف تلاه اجتياح من قوات النظام، ثم تحرير على أيدي الجيش الحر، لتعود
المظاهرات واللافتات التي يفهم المتمعن فيها أن ثمة طفولة يعيشها أبناء “كفرنبل”،
بين قمة الرفض للظلم وروح النكتة والدعابة، وأن هذه المدينة لا تشبه أحداً ولا
يشبهها أحد،
فهي تمثل حالة
التناقض مع السائد، حالة الحرية الحقيقية وسط الدمار السوري، ووسط الصراعات بين
الإسلاميين والنظام والميليشيات الطائفية، والتشويش العام على وجود شيء اسمه
“ثورة”.

تغيب أخبار
“كفرنبل” عن النشرة الدموية اليومية، فلا نعرف ما يحدث هناك، سوى أن
أبناء المدينة يستمرون في عملهم الإبداعي بينما يستمر كثيرون غيرهم في القتل،
أخبار القتل تبقى أكثر انتشاراً، لكن خبراً واحداً من المدينة يكفي ليعيد حضورها
بقوة، فهي في ذاكرة كل سوري حبل نجاة من جحيم الدم.

يسقط العالم.. يسقط كل شيء

من لم يسمع بـ “كفرنبل”
لا شك في أنه قد عرفها من خلال تلك اللافتة الكبيرة التي اختُتمت بعبارة (يسقط
العالم، يسقط كل شيء). فبعد أشهر من سقوط النظام في كفرنبل قام “داعش”
باقتحامها أواخر عام 2013، ودخلت عناصره إلى المقر، وسرقوا أجهزة الكمبيوتر ومعدات
البث لراديو “فرش” الذي أسسته مجموعة من النشطاء، كما اعتقلت “محمد
السلوم”، مؤسس مجلة “الغربال”
. حينها طبَّق “داعش” إحدى اللافتات التي
رفعها أبناء “كفرنبل
(تعدد الأعداء والثورة واحدة ومستمرة).

قبل أيام، أي بعد عام
تقريباً من الحادثة السابقة عادت جبهة النصرة إلى اقتحام الراديو ومركز “مزايا”
النسائي، فاعتدت على كوادرهما بالضرب، واللافت أن سبب الهجوم، سواء الذي قامت به
“داعش” أو “النصرة”، كان فن السخرية الذي يشكل مصدر القلق
الأعظم للمستبدين والتكفيريين، هكذا تحققت تلك العبارة المؤلمة التي رفعها أبناء
“كفرنبل” يوماً (احتل بشار الأسد كفرنبل، ولم يخرج منها أبداً رغم
تحريرها)، فالثمن الغالي الذي دُفع لم يغير من الظلم شيئاً، لكن أبناء المدينة لم
يتغيروا بالمقابل، وهنا يكمن سرهم.

الأسطورة الفنية

“كفرنبل” الملحمة
الإبداعية الفالتة من أطُر الأجندات والمنظمات والأحزاب لم توفر أحداً من سخريتها،
لذلك لم يوفرها أحد، وهي تقف اليوم ساخرة من العالم وشاهدة على تخاذله، مع ذلك
تبدو لا مبالية، فهي لم تعد مجرد مدينة، بل تحولت إلى فكرة تتجاوز المكان والزمان،
هي عمل فني مستقل، شبت ثورته من داخله وليس من خارجه، هذا هو لغزها الحقيقي، ففي
سيرة هذه المدينة ما يرتفع بها إلى “الأسطورة” الفنية القادمة من جذر
حضاري عاشته الأرض السورية منذ آلاف السنين، هو الجذر الذي قصده أبناؤها بقولهم (ثورتنا
ليست مطية، ثورتنا نهر جارف يعصف بمن يحاول ركوبه، ثورتنا منتصرة بأهدافها التي
حركتها).

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *