دمشق- ريان محمد
يتزايد عجز النظام عن تأمين الاحتياجات الأساسية للسوريين المقيمين
في مناطق سيطرته، بالتزامن مع غياب الدولة وانفلات الأسواق، ما يدفع المواطنين إلى
البحث عن البدائل، ومنهم أهالي محافظة السويداء جنوب البلاد، الذين عانوا طوال عدة أشهر سابقة
من أزمة نقص المحروقات، فأصبح مشهداً طبيعياً أن تصطف مئات المركبات لساعات أو لأيام
لتحصل على الوقود، وأن ترى مجموعات من الشباب والنساء في الأحراش يجمعون الحطب، بل
أصبح هناك من يمتهن تأمين هذه الاحتياجات، ليأتي تنظيم “الدولة
الإسلامية” فيصبح الجهة الرئيسية في تأمين المحروقات.
يقول أحد أهالي محافظة السويداء لـ “صدى الشام” إن
“إن “طبيعة المناخ في المحافظة قاس جداً في فصل الشتاء، وجرت العادة أن يؤمن
الأهالي احتياجات الشتاء من طعام ولباس ومواد التدفئة مع نهاية فصل الصيف، لكن هذا
الصيف لم نستطع أن نؤمن احتياجاتنا لأسباب عديدة أهمها ارتفاع الأسعار وعدم توفر المحروقات
في المحافظة”، لافتاً إلى أن “سعر لتر المازوت وصل إلى 250 ليرة سورية، إن
وجد، ووصل ثم كيلو الحطب إلى 50 ليرة، وهو من تحطيب ما تبقى من أحراش في المحافظة”.
ويشير الرجل الخمسيني أنه “في الأسابيع الأخيرة بدأت تنتشر
في المحافظة مادتي مازوت وبنزين ليستا كالتي توزعها الدولة، فهي أثقل وفيها شوائب أكثر،
والمازوت يصدر رائحة وأبخرة عند إشعاله، البعض يقول إنها خطرة على صحة الإنسان، وقد
تتسبب بإشعال حريق، كما حدث في أحد المنازل قبل أيام ما تسبب بوفاة أم وابنها، لكن
الناس لا تمتلك خياراً آخر، فاحتمال الموت من النار يبقى أخف من الموت بردا”،
معتبرا أن “المصدر لم يعد مهما اليوم إن كان “الدولة الإسلامية” أم
غيرها، المهم أن نشعر بالدفء”.
من جانبه يقول سعيد، وهو تاجر محروقات في السويداء، لـ “صدى
الشام”، إن “المازوت والبنزين والغاز المنزلي لا يأتي إلى المحافظة بشكل
منتظم، وما يأتي يذهب في معظمه إلى المؤسسات العامة، فأصبح الطلب يزداد يوما بعد أخر
على تلك المواد، ما دفعنا إلى الاعتماد على ما يتوفر في السوق السوداء”، مبينا
أنهم “يجلبون المازوت والبنزين من البدو المقيمين شرق المحافظة في بادية الحماد،
ما يبعد عن حدود المحافظة الإدارية بين أربعين وخمسين كيلومتراً، يقال إنه يأتي من
مناطق سيطرة التنظيم في الشمال السوري عبر البادية السورية”.
وحول استجرار المازوت من” الدولة الإسلامية” وموقف
النظام المسيطر على المحافظة، يؤكد تاجر المحروقات بأنه تم “الطلب من الدفاع الوطني
وأجهزة الأمن تأمين المازوت والبنزين، كي لا نضطر إلى الاستعانة بتنظيم الدولة ،
لكننا لم نجداً رداً، كما أن دورياتهم تأخذ حصتها مقدما فلا تتعرض لنا، لكن لا يخلو
الأمر من بعض الإشكاليات التي تحل بشكل أو بأخر”.
وأشار إلى أن “سعر البرميل في أرضه يتراوح بين ثمانية ألاف
وعشر ألاف ليرة سورية (40-50 دولار أمريكي تقريبا)، أما بعد نقله فيرتفع سعره كلما
اقتربنا من عمق المحافظة، حتى أن جزءاً منه يصل إلى درعا، حيث يباع البرميل بـ 75 ألف
ليرة، أما داخل المحافظة فيباع بين 35 -45 ألف ليرة”، مبينا أن “ارتفاع السعر
يعود إلى كثرة الرشاوي والبراطيل التي تدفع للحواجز والدوريات المنتشرة في المحافظة”.
من جانبه، يقول ناشط
معارض في السويداء، لـ “صدى الشام”، أنه “مع القبضة الأمنية الحديدية
على المحافظة، فإن النظام يرعى كل أشكال الفساد والتهريب، في ظل العجز المتزايد عن
تأمين الحاجات الأساسية للأهالي، وفي ظل واقع اقتصادي سيء للأهالي الذين يتوزعون إما
موظفين في الدولة، برواتب بخسة، وإما مغتربين، معظمهم في دول الخليج العربي والأردن
ولبنان وليبيا، إلا أن الأزمة حرمت جزءاً كبيراً منه من السفر إلى الأردن ولبنان وليبيا،
عقب فرض العديد من القيود على دخول السوريين إليها، مما زاد من نسبة البطالة في المحافظة،
الأمر الذي يدفع بالشباب إلى الأعمال غير القانونية، والتطوع في المليشيات الموالية
للنظام، تحت إغراء المال والسلطة، في وقت يمتنع أكثر من 16 ألف شاب من أبناء المحافظة
عن الالتحاق بالقوات النظامية بدعوى الخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية”.
ورأى أنه “مع ازدياد الضغط المادي وانتشار الأعمال المخالفة
للقانون من تهريب الوقود والمواد المخدرة والسلاح، إضافة إلى انتشار المجموعات المسلحة
التي بدأت ترعى تلك الأعمال، فإن المحافظة مهيأة للانفجار بأي لحظة، في تساهم المخاوف
المحيطة بها من جانب الفصائل المسلحة المعارضة والتنظيمات المتشددة في تأجيل هذا الانفجار”.
يشار إلى أن النظام يسوّق بين المواطنين أنهم يجب أن يجدوا
البدائل لتعويض احتياجاتهم، من
الكهرباء إلى مواد التدفئة والغاز
المنزلي، رغم أن البدائل غير متوفرة، ما يضع السوريين في طرق مسدودة، تدفع إلى أن
يسود المجتمع علاقات عنيفة للحصول على حاجاتهم، ويضعف العلاقات التكافلية
والترابطية بين بعضهم البعض، الأمر الذي يزيد تهديدات النسيج المجتمعي، الذي
أنهكته الحرب طوال أربع سنوات مضت، دون أن يبدو في الأفق بارقة أمل لحل الأزمة
السورية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث