الرئيسية / رأي / القتل باعتباره حرية تعبير!!

القتل باعتباره حرية تعبير!!

ثائر الزعزوع
لم تخلُ أيٌّ من التعليقات الكثيرة جداً التي دارت حول موضوع واحد هو المجزرة التي ارتكبت بحق صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة، والتي راح ضحيتها عدد من العاملين في الصحيفة بالإضافة إلى رجال شرطة ومدنيين، لم تخلُ تلك التعليقات من بعض التبرير الذي يتلمس للجناة عذراً في فعل ما فعلوه، فأضعف الإيمان كان أن الصحيفة استفزت مشاعرهم الدينية، وأساءت لشخص النبي محمد من خلال رسومها الساخرة، وقد أدى هذا الاستفزاز إلى حدوث تلك الجريمة، طبعاً هذا التبرير وضع المبررين أنفسهم في موقف حرج، فلماذا لم يقدموا هم على مثل هذه الفعلة مثلاً؟ ألم يستفزهم الرسم الكاريكاتيري؟ أم أن الغاضبين للنبي هم أشدُّ إيماناً منهم؟ التبرير الثاني والذي حمل الكثير من الغرابة، وربما الاستخفاف بالعقول هو اعتبار أن الصحيفة حرة في نشر ما تراه من رسوم، وأن الآخرين أحرار أيضاً في التعبير عن ردة فعلهم، وهذا التبرير يميل إلى اعتبار إزهاق أرواح الآخرين حرية رأي شبيهة تماماً بمقال في جريدة أو رسم كاريكاتوري ساخر، وعلى هذا فإن من حق حملة هذه النظرية أن يعمموها ويطلقوها باعتبارها اكتشافاً فوق حداثوي، فالقتل يصبح واحداً من طرق التعبير، أو حرية الرأي، وعلى هذا فإن قيام قوات الأسد و “قطعان الشبيحة” بقتل المدنيين في سوريا هو نوع من حرية التعبير الذي قابل المظاهرات الاحتجاجية السلمية والتي طالبت بإسقاط نظام الأسد، الذي يعتبره أتباعه “مقدساً” هكذا حرفياً، وهم أطلقوا شعارات وقاموا بتصرفات تؤكد أنهم لا ينظرون إلى بشار الأسد باعتباره رئيساً للجمهورية، بل باعتباره قيمة عليا، وأن وجود سوريا كلها مرتبط ببقائه على كرسي السلطة، ولعل قيامهم بالركوع والسجود فوق صورته أمام كاميرات التلفزيونات، وهتافهم ليلاً نهاراً: الله سوريا وبشار، ينقل بشار من مرتبة الحاكم أو رئيس الجمهورية إلى مرتبة المقدس الذي ينبغي الدفاع عنه بقتل الآخرين، وقد رفع وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم مرات ومرات صوته عالياً وقال: كل شيء يمكن أن يناقش إلا مقام الرئاسة، لاحظوا مفردة “مقام” هنا، وهو أمر كرره مراراً جميع مسؤولي النظام ومؤيديه، وهددوا بإحراق البلد، رافعين شعارهم عالياً على كل مكان وطأته أقدامهم: “الأسد أو نحرق البلد” ووفقاً للنظرية أعلاه فإن من حق هؤلاء أن يدافعوا عن مقدسهم هذا، ويمكننا اعتبار البراميل المتفجرة التي تنهمر على مدن السوريين وقراهم، والصواريخ التي أزالت أحياء بأكملها يمكننا اعتبار كل هذا طريقة خاصة في إبداء الرأي. 
ليس مجدياً الآن مناقشة ما إذا كان يحق لشارلي إيبدو الاستهتار بمشاعر المسلمين من خلال تجسيدها النبي محمد أو سخريتها من تنظيم داعش، فالصحيفة أكدت أنها مستمرة ولن تتوقف عن نهجها، وقد أطلت على قرائها يوم الأربعاء الفائت في عدد يمكن وصفه بالتحدي، وتصدرت العدد لوحة كاركاتورية مستفزة تصور ما قيل إنه النبي محمد وهو يحمل لافتة كتب عليها je suis charlie، ورسوماً كاريكاتورية داخلية أكثر استفزازاً ربما، ونفد العدد الذي طبعت منه ثلاثة ملايين نسخة وبست وعشرين لغة نفد خلال ساعات من الأسواق الفرنسية والأوروبية، ونافست شارلي إيبدو كبريات الصحف العالمية وهي ما زالت تتصدر عناوين النشرات الإخبارية، وقد تحافظ على هذا المكسب أسابيع وربما أشهراً قبل أن تنحسر موجة الضوء عنها، وتعود إلى وضعها الطبيعي كصحيفة أسبوعية ساخرة، طبعاً إن لم يحدث طارئ جديد. أقول ليس مجدياً كل ذلك لكن من المفيد التذكير أن العديد من مهاجمي شارلي إيبدو من المصريين تحديداً، ومن المنضووين تحت راية “إلا رسول الله” التي رفعت أول مرة عقب نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول عام 2005 لا يجدون، في هذه الأيام، ضيراً في السخرية كلما أتيحت لهم الفرصة من البابا تواضروس بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وتصويره في حالات كاريكاتورية، وعدم مراعاة مشاعر أتباع الكنيسة التي يرأسها البابا تواضروس والذين ينظرون إلى شخصه بشيء من القداسة، طبعاً والسخرية هنا بسبب اختلافهم معه سياسياً، وليس المقصود من هذا الكلام المقارنة بين شخصية النبي محمد وبين بشار الأسد أو بين البابا تواضروس، لكنّ لكل منا مقدساً وهذه حقيقة ينبغي عدم تجاهلها، ثم إن المنطق الذي تقاس به الأمور من وجهة نظر المروجين لنظرية القتل كوسيلة من وسائل التعبير يختلف كلياً عن المنطق الذي ينظر إليه الفرنسيون خصوصاً، أو الغربيون بشكل عام إلى شخصية النبي محمد أو إلى مسألة الحرية برمتها. 
لا يمكن القتل والتخريب بل وحتى التهديد اللفظي أن تكون بأي حال من الأحوال وسائل للتعبير، كما لا يمكن أن تكون الجريمة والتدمير والاعتقال والقصف الصاروخي وتهجير الملايين رداً مناسباً على أي مظهر سلمي، مهما كان هذا المظهر مستفزاً للبعض، ومهما حُمِّل ذلك المظهر من تأويلات وتفسيرات واتهامات لا يحتملها أصلاً، و ليس أقلها الخيانة والعمالة والمؤامرة الكونية سواء تلك التي تستهدف السيادة الوطنية وفق منطق النظام ومؤيديه، أم التي تستهدف الإسلام والمسلمين كما يرى الغاضبون من الرسوم الكاريكاتورية وما أكثرهم في كلا الحالتين.
  

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *