عبد القادر عبد اللي
“أردوغان رجلٌ يعتمد عليه“… هذه العبارة لم يقلها أحد منحبكجية أردوغان السوريين، ولو قالها لما شكلت عنواناً لمادة صحفية رئيسة لأغلب الصحف التركية، وكثير من صحف العالم، في الأسبوع الماضي… لقد خرجت عن لسان بوتين، إنه بوتين الذي يسميه منحبكجية الولي الفقيه: أبو علي بوتين… نعم إنه بوتين الذي يعتبره منحبكجية أردوغان السوريين أيضاً شريكاً بقتل الشعب السوري وملوثة يداه بدماء أطفال سورية… لم يكتف أبو علي بوتين بهذا، بل قال أكثر منه. لقد قال: “إذا أرادت أوروبا غازاً روسياً فلتشتره من تركيا“… بالمناسبة لم يكن بوتين مفرطاً بشرب الفودكا عندما أطلق هذه التصريحات، وأكّد الجميع أنه كان بكامل قواه العقلية…
اعتبرأبو علي بوتين تركيا وكيلاً حصرياً لبيع الغاز الروسي عبر محطة ضخٍ ستُنشأ على الحدود التركية اليونانية، ومشروع خط أنابيب يدخل من شرق تركيا إلى غربها… إنه مشروع من أهم مشاريع الطاقة في العالم، إن تم تنفيذه، وهو يعني مليارات الدولارات بالنسبة إلى تركيا، ومع هذا التصريح توقفت الليرة التركية عن الهبوط السريع، الذي تعرضت له في الأسبوعين الأخيرين، مقابل الدولار، وبدأت بالصعود من جديد… ليس من المتوقع أن تعود الليرة إلى ما كانت عليه قبل عدة أشهر، ولكن توقفها عن الهبوط وبدء الصعود مؤشر مهم على أهمية هذه التصريحات وجديتها…
حتىالآن، لم تحتفل صحف الإمام الفقيه ولا صحف المعارضة السورية بالحدث… وهذا ما يلفت الانتباه… فقد اعتدنا على أخبار الإمام الفقيه المؤمنة بتحويل كل الهزائم العسكرية والسياسية إلى نصر إلهي، وكان آخرها النصر الإلهي في وادي الضيف والحامدية، إذ كان على كاهل قوات الإمام عبء ثقيل من الخردة التي تحرسها وتنفق الكثير من أجل حراستها، فألهمها الله نصراً إلهياً أزال عنها هذا العبء وتخلصت منه بأقل الخسائر التي لم تتعد بضع مئات من الجنود بين قتيل وجريح وأسير… أما إعلام الولي الفقيه الذي يسمي نفسه علمانياً، فهو يستخدم عبارة نصرٍ استراتيجي، وهكذا كان عدم الرد على الطائرات الإسرائيلية التي تمرح في الأجواء السورية، مثله مثل التخلي عن وادي الضيف والحامدية، نصراً استراتيجياً… ولكنه لم يأتِ أيضاً على ذكر النصر الاستراتيجي الذي تحقق من خلال مشروع أنابيب الطاقة الروسية عبر تركيا، واعتبار أردوغان رجلاً يُعتمد عليه…
المدهشأن سياسة بوتين خلال الشهر الأخير لم تعد تحظى باهتمام إعلام الإمام الفقيه كفاية، هل جفت منابع الإبداع؟ ألا يمكن اعتبار الصداقة الروسية التركية، أو على الأصح، الصداقة بين أبو علي بوتين والرئيس المؤمن أردوغان، والاتفاقات المليارية نصراً إلهياً أو استراتيجياً لجماعة الإمام الفقيه؟ من يحوّل ضرب الطائرات الإسرائيلية لمواقع ما في سورية نصراً إلهياً واستراتيجياً، لن يجد صعوبة باعتبار الاتفاق الاستراتيجي الروسي التركي نصراً استراتيجياً وإلهياً للإمام الفقيه…
لميبتلع القط ألسنة منحبكجية أبو علي بوتين فقط، بل ابتلع ألسنة منحبكجية الطرف الآخر أيضاً. فمن الطبيعي أن يحتفل أنصار أردوغان الأتراك بهذه التطورات السياسية، التي تنعش بلدهم اقتصادياً وتحقق له التطور والازدهار، ولكن أولئك السوريين الذين يعتبرون بوتين سفاحاً، ويعتبرون أن أي تواصل معه خيانة عظمى، ويحرّمون إلقاء التحية عليه والجلوس على مائدته، قد ابتلعوا ألسنتهم أيضاً، فما السبب؟ لماذا لم يستعيروا مصطلحات منحبكجية الطرف الآخر، ويسمون الخطوة نصراً إلهياً أو استراتيجياً أيضاً؟ ألم يكن كذلك؟ ليحركوا عبقرياتهم، ويفكروا، فمن أسقط للنظام السوري ثلاثة أضعاف الطائرات التي لديه ودمر خمسة أضعاف الدبابات التي يمتلكها، وقتل من الجنود والشبيحة ما يزيد عن عدد سكان سورية ولبنان والعراق لابد أن تتفتح قريحته على ابتكارات تهز الإعلام العالمي…
بالطبع،فإن هذا العلاقات القريبة جداً لن تؤثر بشيء على الوضع في سورية، فكل طرف يسعى لمصلحة بلاده أولاً، وهذه سنّة السياسة عموماً… إلا في بلدان مثل سورية ولبنان والعراق والصومال وأفغانستان…
“المنحبكجية” اصطلاح من إنتاج سورية وحدها فقط، بالطبع منحبكجية نظام ما أو ديكتاتور ما موجودة في العالم كله، ولكن أن يكون طرفا صراع ما منحبكجية، فهذا ما ينفرد فيه السوريين عن أشقائهم في العالم كله… وهذه الخصوصية الباهرة هي، التي جعلتهم يلتزمون الصمت إزاء التطورات الأخيرة… ولكن هذا الصمت لن يطول… سنشهد خلال الفترة القادمة ابتكارات نتندر بها لأشهر حول نصر إلهي استراتيجي كبير حققه كل طرف على الآخر…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث