الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / بوتين .. بين الضغوط الداخلية و الاستحقاقات الخارجية

بوتين .. بين الضغوط الداخلية و الاستحقاقات الخارجية

شكلت
عملية انتقال روسيا عام 1991م، من نظام التخطيط المركزي (الأوامري) إلى اقتصاد
السوق بعد سقوط الاتحاد السوفيتي،تكلفة بشرية ومادية باهظة، وتحولات اقتصادية
وسياسية واجتماعية جذرية، أوشكت على تفكيك الدولة الروسية، لولا تضافر عوامل
خارجية (خوف أمريكا والدول الغربية من مخاطر الفوضى وسيطرة قوى مجهولة على الأسلحة
الكيماوية والبيولوجية والنووية، وتسريبها إلى دول أخرىوقوى جهادية وتكفيرية)،وعوامل
داخلية (طبيعة المجتمع الروسي المنصهر قومياً، ووجود مؤسساتٍ للدولة الوطنية، التي
تأسست في العهد السوفيتي بصرف النظر عن الحكم الاستبدادي الشمولي الذي حكم البلاد).رحلت
السلطة وصمدت الدولة أمام امتحانالفوضى وغياب السلطة المركزية. على النقيض من ذلك،
حدث في الدول العربية التي لم تُنتج فيها نظم الاستبداد مؤسسات وطنية مستقلة عنها،وبقيت
مجتمعاتهامفككة وغير منصهرة وطنياً،لهذا تسقط نظم الحكم وتتساقط معها مؤسسات
الدولة.

لقد
حلت الفوضى بروسيا وسادالنهب لمؤسسات الدولة،بعد أن تشكلت المافيات في الحارات
والشوارع وأماكن العمل من جيل الشباب الشيوعي،وانتقلت صراعاتها إلى مراكز الدولة،
وانخرط المسؤولون فيها حتى أصبح رئيس الدولة وقتذاك “باريس يلسن”زعيماً
غير معلنٍ لها.

استمرهذا الصراع بين تشكيلات المافيا المختلفةلأكثر
من عقد من الزمن،وكانتآثاره على اقتصاد البلاد مدمرة، بسبب عمليات النهب والسطو وتخصيص
المصانع وممتلكات الدولة،بطريقة تجاوزت كل الأعراف والتقاليد والقواعد المتعارف
عليها دولياً
،وتحول غالبية السكان من عمال وفلاحين ومتقاعدين إلى فقراء لصالح
مجموعة من رجال المافيا الذين جنَوا ثرواتخيالية، بفترة زمنية قصيرة جداً،دون أن
يكون لهم أية أصول وتاريخ تجاري أو صناعي أو مهني.

هذا
التركيز للثروة، وبطرق غير شرعية،في أيادي القلة من زعماء المافيات، استدعى تشكيل منظومة
قانونيةتحمي الممتلكاتوتشرعنها،من خلال سلطة الدولة التيستمثلهم، وتثبت الأمر
الواقع الجديد، وتسمح لهم بإعادة تدوير المال والاستثمار بطرق قانونية،وتمنع من احتمال
عودةالاشتراكية وتأميم الممتلكات،فكان ظهور بوتين، رجل الأمن السابقوضعيف الشخصية،
كما أعتقد يلسن وزعماء المافيا من حوله،ضرورة لهذا الواقع الجديد،ولكن حسابات
الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر، لقد استطاعبوتين بذكائه وحنكته وخبرته بان يقود
المركب في اتجاهاتمختلفة عماأرادها يلسن ومجموعته المقربة.

سعى
بوتينإلى إعادة موقع روسيا إلى المسرح الدولي، وسار بالحكم أبعد بكثير مما
أرادتالمافيا الروسية له، وان كان قد ساهم بتثبيت حكمها في البداية.

تحلىبوتينبنزعةقيصرية
وساندته حاجة الروس التاريخية للدولة المركزية القوية،التي أبعدتاحتمالات التشظيوخطر
التفكيك بحكمتعددها القومي وتوزعها على رقعة جغرافية واسعة، وعزز مشاعرالروس القومية
بعد انتصارهبالحرب على الشيشانوعودة الحضور الفاعلللدور الروسي على المسرح الدولي،
وبدأ بجملة إصلاحات هيكلية مهمة للاقتصاد وتحديثٍ لبنية الدولة،كانتالأهم في تاريخ
روسيا.

لكن، وبصرف النظر
عن النمو الاقتصادي الذي قارب 5% بالمتوسط سنوياً، وارتفاع معدلات الدخل الفرديللمواطن
الروسي،والاحتياطي الضخم من العملات الصعبة التي وصلت إلى 500 مليار دولار،ومرحلة
الاستقرار التي عاشتها الدولة الروسية في عهده، يبدو أن القيصر الروسي أمام
استحقاقات كبيرة داخلية، بسب التضخم وهبوط سعر الصرف وعدم قدرة الاقتصاد على النمو
لاعتماده على الموارد الطبيعية (اقتصاد ريعي)في اقتصاد عالمي تقود قاطرته العلوم
والمعرفة المنتجة لأكثر من 70% من القيمة المضافة للمنتجات،واعتماد موازنة الدولة
على سعر برميل النفط بين 80الى 90 دولار،وصل حالياً إلى 60 دولار،ومعارضة شريحة من
رجال المال له،وانتظار فرصة الانقضاض عليه، والعقوبات الغربية التي دفعت رؤوس الأموال
للهجرة من السوق الروسية،وغيرها من العوامل الداخلية واستحقاقاتخارجية تضع أمريكا
والدول الغربيةشروطاً سياسة صعبة،تجعل من عودةروسياكدولة عظمى على المسرح الدولي صعبة
جداً، من منظور الاقتصاد والسياسية في الأمد المنظور.

هذا وغيرها من العوامل يحرضعلى التساؤل حول مستقبل القيصر الروسي السياسي،
ودور روسيا في مستقبل العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية
.

د.رفعت عامر

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *