نبيل شبيب/
يخطئ خطأ ذريعا كل من يتوقع من تركيا قرارا حول سياسات أو ممارسات، لا ينطلق من مصالحها. وكذلك يخطئ كل من يلوم تركيا على سياسات وممارسات لأنها تراعي فيها مصالحها. إن الدولة التي لا تراعي مصالحها الذاتية وعلاقاتها الإقليمية والدولية فيما تقرره من سياسات وممارسات تنزلق سريعا إلى وضع دولة ضعيفة لا تستطيع أن تقدم دعما لطرف آخر، ولا أن تؤثر على قرارات إقليمية ودولية. ومن ينتظر الدعم من أي دولة، بما في ذلك تركيا، يجب أن يضع في حسابه مصالحها وعلاقاتها الخارجية، وأن يكون قادرا على التعامل مع تلك المصالح والعلاقات وفق قاعدة المصالح “المشروعة” المتبادلة.
من دون ذلك لا يستغرب أن تثور زوبعة بين اللائمين والمدافعين عن تركيا، مرة بعد مرة، كما هو الحال الآن بسبب التحرك الدبلوماسي الأخير على صعيد العلاقات التركية-الروسية والتركية-الإسرائيلية، وتركز الفقرات التالية على أثر العلاقات مع روسيا.
المنطلق في هذه الفقرات هو ما يراه المتابع لأوضاع بلادنا العربية والإسلامية، من أن تركيا في الوقت الحاضر تملك القدرة على اتخاذ قرارها ذاتيا أكثر من سواها بمقياس تأثير القوى الدولية عليها، ولا يأتي هذا نتيجة “التحدي السياسي” دون وضع النتائج في الحسبان، بل يعتبر نتيجة مباشرة لقدرة المسؤولين في حقبة حزب العدالة والتنمية على الخروج ببلادهم “تدريجيا” من وضع التبعية المطلقة أو شبه المطلقة للغرب الأمريكي، وهذا ما لا يعني “انتهاء مفعول الارتباطات المتبادلة”.. وقد تجلت قدرتهم على سلوك هذا الطريق فيما يحققونه ويبدلونه من توازنات سياسية ومصلحية إقليميا ودوليا، مع وجود خط أحمر واحد: مصلحة تركيا نفسها شعبا ووطنا.
ما وراء التحرك الدبلوماسي السياسي الأخير؟
لنقارن بين حالتين:
١- قبل بضعة عشر سنة رفضت، تركيا الانصياع للرغبة الأمريكية وأغلقت أراضيها في وجه تحرك القوات الأمريكية لغزو العراق من الشمال. وكان في الساحة الدولية مواقف مشابهة من جانب دول لها تأثيرها مثل ألمانيا وفرنسا، أي أن تركيا لم تنفرد بسياستها تلك آنذاك، بل استفادت من الوضع الدولي في إيجاد توازن يحمي مصالحها.
٢- بالمقابل.. واجهت تركيا حاليا أكثر من سواها العدوان الروسي على سورية الثائرة وتحملت نتائج هذه المواجهة، وإذا بها تجد نفسها “منفردة” في الميدان دوليا مقابل التنسيق الأمريكي-الروسي المتنامي والانشغال الأوروبي داخليا. وكذلك “منفردة” في الميدان إقليميا مقابل مواقف سياسية خليجية في الدرجة الأولى بصدد نوعية التعامل مع روسيا -أو الرد على عدوانها- وقد طرحت تلك المواقف تعليلا شاذا بمعيار المقارنة بين نتائج العنف في ذلك العدوان الإجرامي وغاياته في سورية تحديدا، وبين ما يعنيه ضعف الرد الخليجي عليه بحجة أنه على حساب المشروع الإيراني الإقليمي.
بتعبير آخر:
١- دوليا.. انحسرت -حتى التصريحات الأوروبية الكلامية- بشأن دعم الفصائل الثائرة، وتحول -حتى الموقف الكلامي الأمريكي- إلى درجة التصريح الرسمي برفض مطالب الدبلوماسيين الأمريكيين أنفسهم أن تتدخل واشنطن عسكريا مقابل التدخل الروسي، وهذا ما وصل حديثا إلى التصريح بالاستعداد للتنسيق العسكري “العملياتي” الثنائي، وكان التنسيق دون ذلك قائما باستمرار.
٢- إقليميا.. عند بدء المواجهة التركية للعدوان الروسي لم ينقطع الحديث عن احتمال مشاركة عسكرية برية من جانب السعودية وتركيا تخصيصا، ثم تراجع ذلك إلى قابلية التدخل ولكن ضد داعش فقط، ثم تراجع إلى الإعلان أنه لا يمكن أن يكون دون غطاء دولي -بمعنى: أمريكي- مع علم المسؤولين أنه غطاء غائب وسيبقى غائبا في المستقبل المنظور.
لقد مضت تركيا في الرد على العدوان الروسي إلى درجة المخاطرة بصدام عسكري مباشر.. فلم تجد مجرد موقف مساند رسمي، أطلسي أو أمريكي أو عربي، جنبا إلى جنب مع ارتفاع درجة العلنية في دعم فريق من الأكراد على الحدود، ومع ارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية التي تستهدف تركيا في الداخل، وهي عمليات تفوح بوخم أفاعيل المخابرات الدولية.
كان لا بد إذن من إعادة النظر في “الوسائل” السياسية وغير السياسية المتبعة، وإعادة التوازن ولو جزئيا على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية، وهذا ما فعلته تركيا بتحركها الدبلوماسي الأخير، تحقيقا للمصالح الذاتية الأساسية. ومن ينظر في تفاصيل ذلك التحرك الدبلوماسي لا يجد فيه تخليا عن مراعاة تحسن العلاقات مع بعض الدول العربية ذات العلاقة بقضية سورية، ناهيك عن دعم غزة، ولا تخليا عن الخط الجوهري لسياسة دعم الثورة الشعبية في سورية.
إن المنطق السياسي الرسمي العملي الذي يحقق توازنات يرتبط نجاحها بتراكم نتائجها الإيجابية، دون التخلي عن معايير المبادئ، لا يصح الحكم عليه بالمنطق الكامن في تحرك ثوري شعبي يتحدى عبر تراكم التضحيات وإنجازاتها ما تفرضه السياسات الدولية والإقليمية المنحرفة.
الانعكاسات المحتملة على الثورة
لا يصح الجزم بتنبؤات متسرعة بشأن ما سيفضي إليه التوازن الجديد في السياسات التركية خارجيا، أو بشأن حجمه وسرعة تأثيره. التوقعات مرتبطة بعوامل أخرى سلبا وإيجابا:
١- من ذلك أن المسؤولين الأتراك تحركوا على الأرجح دون مشاورات مسبقة، معتادة دبلوماسيا في مثل هذه الحالة، مع واشنطون أو حلف شمال الأطلسي، وبالمقابل تحركت واشنطون سريعا بالإفصاح عن وجود اتصالات مع موسكو حول تنسيق “عملياتي” عسكري في سورية، بعد رفض ذلك بصورة قطعية من قبل.
٢- من ذلك أيضا احتمال استمرار التواصل التركي-السعودي ومضاعفته، تخصيصا بشأن التعامل مع موسكو، ثم ما مدى القدرة الثنائية على زيادة الضغوط المحتملة عبر لغة المصالح لإحداث تغيير في السياسات والممارسات الروسية.
٣- ومن ذلك استمرارية الصمود المذهل للثوار في سورية نفسها واستمرارية تأثيره في اتجاه إحباط أهداف العدوان الروسي، رغم ازدياد التنسيق العسكري مع الأمريكيين.
٤- ما مدى قدرة الأوروبيين على تجاوز مشكلاتهم الداخلية والعودة إلى المسرح السياسي الدولي بعد أن ازداد الانزعاج من تحييد الأوروبيين عما تقرره واشنطون وموسكو بشأن قضايا ساخنة في الجوار الأوروبي.
وتوجد عوامل أخرى، ولكن يكفي ما سبق لتعداد بعض الملامح أو التساؤلات بشأن التأثير المستقبلي المحتمل للتوازن الجديد في السياسات الخارجية التركية على مسار الثورة الشعبية في سورية:
١- لا يوجد جديد في التحرك التركي الجديد، يتعارض مع استمرار تقديم الدعم التركي، إما بالقدر الذي يتم حتى الآن، أو ربما ازدياده تدريجيا.
٢- احتمال وجود مقايضات غير معلن عنها، تعطي موسكو بعض المكاسب في ميدان المواقف الغربية منها بسبب أزمة أوكرانيا مثلا، وتعطي تركيا مجالا أكبر للحركة في مواجهة أخطار “الأكراد” وعلى وجه التحديد الفريق الإرهابي والفريق المتعاون مع بقايا النظام السوري، وليس عموم الأكراد.
٣- احتمال شمول المقايضات الآن أو مستقبلا ما يتعلق بالمسار السياسي في جنيف، وعلى وجه التحديد التخلي الروسي عن بقايا النظام المهترئ، مع ازدياد القواسم المشتركة بهذا الصدد بين موسكو وأنقرة والرياض بالمقارنة مع القواسم المشتركة بين موسكو وطهران.
إن الفاعلية الثورية للإسهام في صناعة القرار، تفرض التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية باعتباره واجبا أساسيا على عاتق القيادات الفصائلية والسياسية في الثورة، وهي مسؤولة عن تطويره المتجدد باستمرار.
إن الفاعلية الثورية للإسهام في صناعة القرار، تفرض التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية باعتباره واجبا أساسيا على عاتق القيادات الفصائلية والسياسية في الثورة، وهي مسؤولة عن تطويره المتجدد باستمرار، لرؤية مواطن الاستفادة الممكنة، بلغة المصالح أيضا، أي لتحقيق مصالح الثورة والشعب الثائر، فإن لم تفعل في الوقت المناسب وبالحجم المناسب وبالمستوى المناسب، ستستمر عجلة تلك المتغيرات في التحرك على كل حال بميزان المصالح الذاتية للقوى المعنية كتركيا والسعودية وسواهما، وآنذاك يكون نصيب الثورة من النتائج محدودا فيما لا يتناقض مع تلك المصالح الذاتية فحسب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث