الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / “العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة “

“العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة “

د.
رفعت عامر

تقوم فكرة الاقتصادي “Greshams“،مكتشف قانون “العملة
الرديئة تطرد العملة الجيدة”، على أساس أنه إذا تم إصدار نقودٍ جديدة تشتمل
على كمية معينة من المعدن الخالص (الذهب مثلاً)أقل مما تشتمل عليه النقود القديمة،والتي
تتعادل معها في القيمة الاسمية،فإن النقود القديمة (الجيدة) تبدأ في الاختفاء من
التداول في السوق.ويبدأ الأفراد في هذه الحالة باكتنازالمتوفر منها لديهم، أو أنّالحكومة
نفسها تستخدمها في إعادة صهرها واستخدامها كسبيكة ذهبية، وتبيعها بقيمةٍ أعلى من
قيمتها الاسمية، وبالتالي، لن يتبقى في السوق سوى النقود الجديدة (الرديئة). وقد
حدثت مثل هذه الظواهر في القرون الوسطى، عندما كان الحكام يصدرون النقود بأوزانٍ
مختلفة أقل من أوزانها القديمة، كلما اضطربت الأحوال الاقتصادية فيها
. وقد شاعت هذه الظاهرة خلال الحرب العالمية
الأولى، عندما كانت النقود الذهبية تختفي كلما طُرحت إصدارات من الورق الرخيص.

نلاحظ أن هذه القاعدة في اقتصاديات النقود، سارية المفعول أيضاًفي
حياتنا العملية،وفي شتى مناحي الحياةالسورية،ونسميها قاعدة “الموظف السيئ يطرد
الموظف الجيد”.وقدسلط النظام السوري، بتطبيقه هذه القاعدة،الموظفين في الدولة
بعضهم على بعض، وللأسف مارست المعارضة هذه القاعدة أيضاً، في كل مؤسساتها الوليدة.

إن التجربة العملية دلّت على أن وجود أشخاص غير أكفاء في قيادة المؤسسات
والشركات كفيل بهروب، أو طرد، أو ترك الأكفاء لتلك الشركات والمؤسسات. حيث لن
يستقيم العمل، بالنسبة للموظف الجيد وصاحب الكفاءة والأداء المتميز، مع المدير
والموظفالسيئفي تلك المؤسسات.

لقد لاحظنا، على مدار السنوات الماضية من عمر الثورة، تزايد أعداد
الغوغائيين، الذيناكتسحوا شاشة التلفاز والإعلام أولاً، ومن ثم تحولوا إلىقيادة المؤسسات
في الائتلاف والحكومة المؤقتة والجيش الحر والكتائب العسكرية المختلفة. مما أدى
إلى انسحابتدريجي للأشخاص الجيدين من أماكن عملهم بعد أن استولىالإحباط والاكتئاب عليهم.

هذا الواقع دفعبأعداد كبيرة من الضباط الشرفاءلترك مواقعهم الحساسة،نتيجة
سيطرة أمراء الحروب.والكثير من المثقفين الشرفاء،الذين يمثلون الفكر المدني
الديمقراطي، انسحبوا من العمل في الشأن العام بشكل مباشر، وتركوا الساحة لشبيحة
الفكر والسياسة.

أكدت الأبحاث والدراسات على أن أهم الأسباب التي
تدفع الموظفين فعلياً إلى الاستقالة من عملهم هو علاقة العمل السلبية أو غير السليمة
مع المدير أو المسئولالمباشر، وليسالراتب أو الأجر.

ونحن
على اعتقادٍ بأن الكثير من السوريين، في ظل هذه الظروف الاستثنائية الثورية من
تاريخ بلدنا، مستعدون للعمل بدون أجر، أو بأجر في حده الأدنى، لو طُلب منهم ذلك. ولكن
الوضع القائم في مؤسسات المعارضة،من امتيازاتٍواحتكارٍ للسلطة وتداخلها مع المال،
جعل هذا القسم من السوريين سلبييالنظرةإلى تلك المؤسسات، أو حياديين لا يعنيهم الشأن
العام.

وأن غياب اللوائح التنظيميةوالإدارية،وغياب الرؤيةالاستراتيجية
والخطط والأهدافوالأولويات والمعايير الفنية وآلياتالعمل الواضحة والمحددة، وغياب
الدراسات والإحصائيات وقواعدالبيانات،جعل من المسؤولمتسلطاً على المؤسسة، يحكم بمزاجه
وقناعاته وأهوائه،وبما تمليه عليه مصالحه الشخصية.وحصاد ذلك كان احتكاره للقرار،وقيامه
بإجراءات تعسفية بحق الموظفين الجيدين،أدتإلى ضغط نفسي شديد عليهم، في بيئة عملٍ
طاردةلأصحاب الاختصاص والكفاءة والنزاهة، دفعت بهؤلاء الموظفين إلى التخلي عن
مواقعهم في مسرح العمل الوطني العام للسيئين منهم. ولن يتغير هذا الواقع دون حراك
وطني يُعيد هيكلة هذه المؤسسات، ويضعها على السكة الصحيحة في مسار التحول الوطني.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *